جرّبوا أن تحذفوا الصين من يومكم العادي. من الهاتف الذي يوقظكم، إلى الأجهزة التي تستخدمونها، مرورًا بمكونات السيارة ومعدات المصنع. لن تختفي الحياة، لكنها ستصبح أغلى، وستتعطل أجزاء منها، وسيكتشف كثيرون أن المسافة السياسية التي يريدون وضعها بينهم وبين بكين أقصر بكثير من المسافة الاقتصادية التي يستطيعون قطعها.
العنوان صادم، بالطبع. والدول تستطيع العيش بدون الصين بمعنى البقاء. لكن السؤال الاقتصادي الأكثر إزعاجًا هو: بأي كلفة؟ وبعد كم سنة من بناء البدائل؟ ومن يتحمل الفاتورة خلال الانتقال؟
لقد تجاوزت الصين موقع «المصنع الرخيص» الذي ينفّذ ما يصممه الآخرون. بنت منظومة إنتاجية تتجاور فيها المصانع والموردون والخبرات والبنية اللوجستية، بحيث تصبح القدرة على التسليم السريع وبكميات هائلة ميزة يصعب استنساخها.
يمكنك نقل مصنع، لكنك تحتاج إلى سنوات لبناء البيئة التي تجعل ذلك المصنع قادرًا على المنافسة.
وتبدو هذه الحقيقة أوضح في القطاعات التي يُفترض أنها تصنع المستقبل. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، أظهر تقرير المعادن الحرجة لعام 2025 أن الصين تتصدر تكرير 19 معدنًا من أصل عشرين معدنًا استراتيجيًا مهمًا، بمتوسط حصة سوقية يبلغ نحو 70 %. هنا يصبح الاعتماد متعلقاً بقدرة الآخرين على إنتاج التكنولوجيا، وليس بشراء سلعة نهائية فحسب.
وهذه هي المفارقة: تستطيع حكومة إعلان مواجهة الصين في خطاب سياسي، بينما يحتاج مشروعها الصناعي إلى مواد تعالجها الصين، أو مكونات تصنعها، أو آلات تدخل في إنتاجها. وقد تنتهي الرسوم الجمركية إلى رفع فاتورة المستهلك قبل أن تنجح في بناء بديل محلي. فإصدار القرار أسرع كثيرًا من إنشاء سلسلة إنتاج.
غير أن الصين ليست خارج دائرة الاعتماد المتبادل؛ فهي تحتاج أيضًا إلى الأسواق الخارجية والطاقة والمواد الخام، وإلى تقنيات ومعارف تتوزع بين دول متعددة. لذلك فإن القطيعة الشاملة تحمل خسائر للطرفين، وإن اختلف حجمها وتوقيت ظهورها. القوة هنا تُقاس بالقدرة على احتمال الانقطاع، وبالوقت اللازم لتعويضه.
أما عربياً، فينبغي أن يدفعنا هذا المشهد إلى مراجعة موقعنا. ماذا نملك مما يحتاجه العالم، خارج الموارد الطبيعية؟ وأي صناعة نستطيع تطويرها حتى يصبح حضورنا في الاقتصاد الدولي مرتبطًا بالإنتاج والمعرفة؟ الشراكة مع الصين تتيح فرصًا واسعة، لكن قيمتها التنموية تتوقف على ما تبنيه في الداخل من مهارات ومصانع وقدرات بحثية.
الاعتماد على مورد واحد، مهما كانت كفاءته، يضيّق مساحة القرار. وتنويع الشركاء وبناء القدرة المحلية يحتاجان إلى استثمار طويل وصبر مؤسسي، لا إلى شعارات السيادة وحدها.
الصين لم تجعل العالم محتاجًا إليها بالخطب؛ جعلته محتاجًا إليها بما تنتجه. والصدمة الحقيقية أن دولًا كثيرة تطالب باستقلال قرارها، بينما تستورد الأدوات التي تجعل ذلك القرار قابلًا للتنفيذ.