> استطلاع/ عنتر الصبيحي

مدرسة الشهيد عبده عبدالله قميح والمعروفة بمدرسة البدو الرحل تقع بمنقطة كرش الصبيحة بمحافظة لحج، ويعود تاريخ بنائها إلى العام 1973م، في عهد الرئيس الشهيد سالم ربيع علي (سالمين) كواحدة من مدارس البدو الرحل النموذجية في الجنوب، وبهذا أضحت قبلة لكثير من الطلاب الدارسين من أبناء الجنوب، وأبناء المحافظات الشمالية على حد سواء.
تخرج منها عدد من الكوادر من أبناء الشطرين حينها، يحتل كثير منهم اليوم مناصب عليا في الدولة. كما كانت هذه المدرسة محط اهتمام قيادة الدولة الجنوبية حيث زارها كل من الرئيس سالم ربيع علي أكثر من مرة والرئيس علي ناصر محمد، وشخصيات سياسية أخرى، وذلك للمكانة التي كانت تحتلها في المجال التربوي والتعليمي.
اليوم هذه المدرسة ونتيجة لسياسة التجهيل الممنهجة التي اتبعها نظام صنعاء منذ حرب صيف 94م، أضحت أطلالا ومأوىً للحيوانات والكلاب الضالة نتيجة لما حل بها من إهمال وطمس متعمدين.
لاسترجاع عبق تاريخ هذه المدرسة الريادي في سماء العملية التعليمية التقت «الأيام» في البدء بمدير المدرسة الأسبق (ما قبل 94م) التربوي القدير ناشر محمد علي الذي بدوره تحدث عن هذه المدرسة فقال: “إن مدرسة البدو الرحل كانت تتبع وزارة الدفاع من حيث الرعاية والتدريب والإشراف الصحي والعسكري، بينما كان المنهج فيها تابع للتربية والتعليم”. وأضاف: “لقد كانت هذه المدرسة مثالاً للانضباط والتفوق ولهذا كانت تمثل مصنعاً لإنتاج المتفوقين والمتميزين في مجالات عدة يحتل كثير من طلابها اليوم مناصب قيادية عسكرية ومدنية رفيعة في الدولة منهم الطيارون والسفراء والقادة العسكريون وغيرهم.
**الفرق بين الأمس واليوم**
ناشر محمد
ناشر محمد

التربوي القدير ناشر محمد علي واصل حديثه عن هذه المدرسة بالمقارنة بين الأمس واليوم بالقول: “كانت هذه المدرسة تُعد إحدى أبرز مدارس البدو الرحل في الجنوب قبل الوحدة، وذلك لقوة التعليم والانضباط فيها وكذا كفاءة المعلمين المؤهلين تأهيلاً عالياً، وهو ما جعل هذه المدرسة تخرج طلابا أكفاء وعلى مستوى عال من المعرفة والثقافة وبمدارك واسعة، كما كان يحظى مدرسوها وطلابها بمنح خارجية باستمرار، الأمر الذي جعلهم قادة متنورين في المجالات التي تخصصوا فيها وأضحوا مثالاً يحتذى بهم.
بعكس ما نشاهده اليوم مع الأسف من تدني للمستوى التعليمي ليس فيها وحسب بل في كل المدارس، وما يصاحبه من غش وإضعاف متعمد لمخرجات التعليم ليصبح الطالب في مرحلة الثانوية شبه أمي نتيجة لضعف التعليم وغياب الكفاءة والتخصصات لدى المعلمين أو لعدم توفرهم ألبتة، كما هو حال هذه المدرسة وغيرها الكثير والتي تفتقر كثير من موادها للمتخصصين نتيجة لتحويل كثير منهم إلى مدارس أخرى.
وبالملخص المفيد التعليم في وقتنا الحاضر ليس أكثر من شهادة ورقية يمكن للطالب أن يتحصل عليها بيسر وسهولة من مكتب التربية بمديريته”.
**تعرضت للطمس المتعمد**
عبد جليل صالح
عبد جليل صالح

التربوي عبد جليل صالح الحربي تحدث بدوره عن التاريخ العريق لهذه المدرسة وحاضرها المرير بالقول: “كانت مدرسة قميح (البدو الرحل) بكرش ليست فقط لأبناء الجنوب، بل لكل أبناء الشطرين قبل الوحدة شمالاً وجنوباً”.
وأضاف: “كان يوجد في هذه المدرسة أيضاً قسم داخلي خصص لكل أبناء المحافظات الدارسين فيها سواء من الجنوب أو من الشمال بالإضافة إلى احتضان الفقراء الذين لا يجدون لقمة العيش حيث يتم تسجيلهم في هذا القسم والقيام بتعليمهم حتى مرحلة التخرج، ومما كانت تتميز به هذه المدرسة أنها كانت مجردة من التمييز بين الطلاب بل أن الطلاب الدارسين فيها من المحافظات الشمالية يتم إعطاؤهم مساعدات أيضاً، ولكن مع الأسف جاءت الوحدة عام 90م وعمدت إلى طمس هوية الجنوب كاملة بما فيها هذه المدرسة التي حول اسمها إلى مدرسة الفرقان، تبعها إهمال متعمد طال مبانيها ومدرسيها وطلابها وأضحت مدرسة كالأطلال”.
وتابع بالقول: “لقد كان الجنوبيون وحدويين أكثر من الشمالين، وأعطي كثير منهم الثقة المطلقة في الجنوب ليصل إلى رأس الهرم كما هو حال الرئيس عبد الفتاح إسماعيل ومناصب أخرى كراشد محمد ثابت وآخرين كُثر، ومع الأسف كان أبناء الجنوب يعاملون من قبل أبناء الشمال في هذه الفترة لاسيما الطلاب الذين يتواجدون في الشمال بطريقة مغايرة، حيث يتم إعطاؤهم بطائق إقامة ولم يتعاملون معهم كأفراد من الشعب”.
واختتم بالقول: “منذ حرب 94م تعرضت المدرسة لطمس هويتها بشكل كامل، وأفرغت من المعلمين والغرض منها إخراج جيل جاهل وأمي”.
**كانت نموذجاً في قوة التعليم**
عماد أحمد
عماد أحمد

من جهته تحدث التربوي عماد أحمد غانم عن نجاحات هذه المدرسة ومشاركاتها التي كانت تجرى بين مدارس البدو الرحل في الجنوب بالقول: “لقد شاركت هذه المدرسة في كثير من الفعاليات والمشاركات التي كانت تجرى بين المدارس أثناء المناسبات الوطنية، وكانت تحصد المراكز الأولى في تلك المشاركات، مثل مشاركتها في المسابقة التي أقيمت بمناسبة الذكرى العاشرة للاستقلال في عام 77م، بين مدارس البدو الرحل في الجنوب وهي: مدرسة البدو الرحل كرش، والنجمة الحمراء في صبر لحج، والزحف الأحمر في دار سعد، ومدرسة خرز المضاربة، وغيرها من مدارس البدو الرحل، وقد صاحب تلك المسابقات المدرسية سرايا رمزية للوحدات العسكرية للجيش والأمن في الجنوب، حصلت حينها مدرسة البدو الرحل بكرش على المرتبة الثالثة وبجائزة 20 ألف شلن من قبل رئيس الجمهوية آنذاك”.
وتابع غانم بالقول: “لقد شاركت هذه المدرسة أيضاً في مسابقة الذكرى التصحيحية في 22 يونيو وتحصلت على مراتب متقدمة من بين مدارس البدو الرحل في المشاركات الرياضية والعسكرية، في حين حصدت المرتبة الأولى في المسابقة الفكرية”.
**تسهيلات لأبناء الشمال**
لقد كانت إدارة هذه المدرسة تتعامل بروح المسؤولية والنظام المجرد من التمييز وغيره ما بين الطلاب، حيث كان يتم التعامل مع الطلاب القادمين من الشطر الشمالي دون أي تمييز وكان يطلق عليهم أبناء الجبهة، وفيها كانوا يتحصلون على تسهيلات وامتيازات ورعاية أكثر من أبناء الجنوب بل وتصرف لهم أيضا مرتبات تتراوح ما بين 100 - 200 شلن.
**الخدمات**
وتحدث التربوي غانم عن الخدمات التي كان يحظى بها طلاب هذه المدرسة بالقول: “لقد كانت هذه المدرسة تقوم بتوفير كل متطلبات واحتياجات الطالب كالسكن الداخلي، والتغذية، والملابس، والرياضة، والعلاج، بل والمشط وإبرة المخيط وغيرها من المتطلبات البسيطة التي يحتاجها الطالب”.
وأضاف: “لقد كان الطالب يتخرج من هذه المدرسة ليس متعلماً وحسب بل أيضاً عسكرياً عارفاً بجميع الفنون العسكرية والقتالية، وكذا رياضياً وطبياً، نتيجة للتدريبات المستمرة التي كانوا يتلقونها أثناء دراستهم باستمرار”.
**زيارة عدد من الوزراء ووعود لم تنفذ**
عبدالحكيم مفلح
عبدالحكيم مفلح

من جهته تحدث المدير الحالي لمدرسة قميح ( البدو الرحل) عبدالحكيم مفلح عن هذه المدرسة والوضع الذي آلت إليه بالقول: “لقد أهملت مدرسة عبده عبدالله قميح (البدو الرحل) والتي كانت تعتبر قبلة للطلاب من عموم قرى كرش، حيث كانت تمثل صرحاً تعليمياً شامخاً، تخرج منها أجيال عدة يشغل كثير منهم اليوم مناصب عليا في الدولة، ولكن مع الأسف هذه المدرسة لم تلق بعد الوحدة سوى الإهمال المتعمد لتضحى اليوم فصولها التي تزيد عن خمسين فصلاً غير صالحة للتدريس بعد أن تهدمت جدرانها وسقطت أسقفها نتيجة لانتشار الأرضة فيها”.
وأضاف: “لا يوجد في هذه المدرسة اليوم صف واحد صالح للتعليم، إننا ندرس الطلاب في صفوف تنذر بأخطار كثيرة على طلابنا في أي وقت.
لقد أبلغنا الجهات المسؤولة عما تعانيه هذه المدرسة ولكن لم نلاق أي تجاوب لشكاوانا، والمؤسف هنا بأن عدد من الوزراء زاروا هذه المدرسة في الفترة الماضية كالجوفي والأشول واطلعوا على معاناة هذه المدرسة وطلابها غير أن وعودهم التي قطعوها لم تنفذ البتة”.
واختتم حديثه ساخراً “عندما زارنا أحد الوزراء للاطلاع على أوضاع هذه المدرسة لم يثير انتباهها الأوضاع السيئة التي وصلت إليها هذه المدرسة العريقة بقدر ما لفت انتباهه صورة عبدالفتاح إسماعيل والمرسومة في أحد جدرانها والذي تفاجأنا حينها بتوجه الانتقاد لنا عن تلك الصورة ولم يتنقد الجهات التي أوصلت المدرسة إلى أطلال”.
أما الطالب عثمان وهو أحد الدارسين في هذه المدرسة فقد عبر عما يعانونه في هذه المدرسة بالقول: “تعاني من نقص في بعض التخصصات الأساسية، كما نفترش التراب والشمس على رؤوسنا نتيجة لسقوط أسقف الفصول الدراسية، وهو ما اضطر بعض المدرسين لاتخاذ المساحة الخاصة بالحمامات مكاناً لتدريس الطلاب لعدم وجود فصول صالحة للتدريس”.
واختتم بالقول: “إننا نتعلم ونحن خائفون على أنفسنا من سقوط ما تبقى من الأسقف على رؤوسنا أو من انهيار جدران الفصول والتي قد انهار الكثير منها”.
**زيارة المحافظ المجيدي لها**

ونتيجة للمتابعات الملحة من قبل أساتذة المدرسة وطلابها وأبناء المنطقة للجهات المعنية في المديرية والمحافظة بانتشال هذه المدرسة من الوضع المزري الذي وصلت إليه وإنقاذ ما يمكن إنقاذه منها باعتبارها مدرسة عريقة قامت قيادة المحافظة ممثلة بالمحافظ أحمد عبدالله المجيدي المجيدي في إطار زيارتها إلى كرش وتفقد النقاط الأمنية والعسكرية فيها أمس الأول بزيارة المدرسة والاطلاع على أوضاعها والتعرف عن الأسباب وراء عدم بناء المدرسة الجديدة والتي تم اعتمادها، وقد وعد المجيد في لقاءه بحل مشلكة المدرسة التي أدت لتوقف البناء فيها.