> استطلاع/ فهد العميري

تظل العدالة الانتقالية قضية عائمة يجهل الكثيرون ماهيتها ومضامينها، فيما يختلف آخرون حول تعريفها وآليات تطبيقها، ومدى صلاحيتها للتطبيق من عدمه، ورغم إفراد مخرجات الحوار الوطني لهذه القضية مساحة واسعة ضمن قضايا ذات بعد وطني والمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، ووضع قواعدها وآليات تطبيقها وإسناد ذلك إلى هيئة مختصة تسمى هيئة العدالة الانتقالية إلا أنها أثيرت العديد من الإشكاليات أثناء ذلك، وخاصة عند تقديم مشروع قانون العدالة الانتقالية إلى البرلمان الذي شهد حالة انقسام حادة بين المكونات السياسية حالت دون خروجه إلى النور، فما مفهوم العدالة الانتقالية، وما أبرز العقبات التي تقف أمامها؟ هل ثمة ضرورة لتشكيل لجان تقصي حقائق، وهل العدالة الانتقالية أصلا مناسبة للواقع اليمني؟.
«الأيام» ناقشت هذه التساؤلات من خلال الاستطلاع الآتي.
الناشطة منال الذبحاني تحدثت لـ«الأيام» عن مفهوم العدالة الانتقالية بالقول: “العدالة الانتقالية لها مفهومان مترابطان هما: (العدالة – الانتقال) وهذان المفهومان مكملان لبعضهما، بمعني أنه لا يمكن التحول أو الانتقال من مجتمع أقل تحررًا إلى مجتمع أكثر ديمقراطية، وتحررًا إلا إذا تحقق الإنصاف والعدالة، وإذا ما تحقق العدل نستطيع الانتقال إلى دولة المواطنة المتساوية، ولهذا يشترط لتحقيق ذلك أولاً المعرفة بوجود خطأ أو جريمة، والإقرار بهذا الخطأ من قبل المدعي والمدعى عليه، ومن ثم تأتي المعالجة، ويُمَكن الضحايا من استعادة كرامتهم، كما تساهم أيضًا في تعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة وقدرتها على إنفاذ القانون”.

وأوصلت بالقول: “إن تحقيق العدالة الانتقالية ليست بالأمر السهل، لاسيما في ظل مجتمع تحكمه القبيلة والعسكر منذ عقود من الزمان، ويعاني من الأمية وقصور في الوعي وإقصاء أو إضعاف مؤسساته على مدى سنوات من القهر السياسي، وفي ظل التدخلات الإقليمية والدولية بالشأن اليمني وفي إطار أمن مفقود وتيارات سياسية واجتماعية منقسمة، ولا تحمل مشاريع وطنية واضحة المعالم، وموارد مستنزفة، والأهم من ذلك حالة الصدمة والتخوين، بالإضافة إلى انعدام ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وافتقار الاحترام الحكومي لقيم حقوق الإنسان وسيادة القانون، علاوة علي حداثة القوي السياسية المهيمنة على مقاليد الحكم بالعمل السياسي، وبالخبرة السياسية والقانونية اللأزمة لتحقيق تلك المفاهيم، ولا يوجد لديّ أي قناعة بأنه يوجد إرادة سياسية حقيقية في اليمن لإحداث التغير الحقيقي، بل يمكن القول إن كافة الإجراءات التي اتخذت على مدار ثلاثة أعوم ونيف هي مجرد خطوات مبتورة”.
وعن أهم العقبات التي تقف أمام إصدار وتنفيذ قانون العدالة الانتقالية قالت منال الذبحاني: “هناك العديد من العقبات منها قلة وقصور الوعي في المجتمع اليمني وضبابية الموقف السياسي والوطني من قبل القوى السياسية في البلد وعدم وجود سلطة قضائية مستقلة ونزيهة، والتي تعد عموداً لإحقاق الحق وسيادة القانون، فمن يملك المال والقوة يملك القرار، ووجود حكم القبيلة والعسكر والفقر”.
واختتمت حديثها قائلة: “إن المجريات والأحداث السياسية تختلف من بلد إلى آخر، ولكل بلد طابعها الخاص، وإذا ما تحققت العدالة الانتقالية في بلدنا ستكون بطابع ونكهة يمنية فريدة”.
**لابد من تشكيل لجنة تقصي حقائق**
نور الدين
نور الدين

من جهته يرى الناشط الحقوقي في مركز القانون الدولي الإنساني نور الدين المنصوري أن “العدالة الانتقالية هو مفهوم يشمل الآليات والإجراءات والتدابير التي يتم اتخاذها في المرحلة الانتقالية من حالة الحرب والعنف إلى السلم والاستقرار، ومن زمن الحكم الشمولي إلى الديمقراطية، حيث يعمل على معالجة آثار الماضي من انتهاكات حقوق الإنسان وتعويض الضحايا والانتقال بالمجتمع نحو المستقبل على أسس من الديمقراطية والمواطنة المتساوية، وذلك بما يمنع من العودة إلى ممارسة الانتهاكات”.
وأضاف قائلاً: “إن العدالة الانتقالية هي الجسر الآمن الذي نستطيع من خلاله العبور نحو المستقبل بعيداً عن الماضي وآلامه، ولكن تبقى مسألة مهمة وهي أن المجتمع يجب أن يعي أهمية العدالة الانتقالية ومفهومها وأهدافها وآلياتها حتى يكون الداعم لها والمطالب بتنفيذها، فالمجتمع يحتاج إلى التوعية والتعريف بالعدالة الانتقالية، وكذا تصحيح المفاهيم المغلوطة لديهم حولها، كما أن قواعد العدالة الانتقالية تم إقرارها من قبل مؤتمر الحوار الوطني الذي تمثلت مخرجاته الوثيقة الوطنية الأهم، والتي يتوجب على السلطات العمل بها بل ترجمتها وتحقيقها على أرض الواقع”.
وتابع حديثه لـ«الأيام» بالقول: “ومن أبرز المعوقات التي تقف أمام إصدار وتنفيذ قانون العدالة الانتقالية عدم وجود شراكة، ولدي قناعة ثابتة من خلال استقرائي للوضع الذي تعيشه اليمن وسائر دول الربيع العربي بأنه لا يمكن إحداث التغيير المنشود بدون شراكة فاعلة مع جميع القوى الحية في المجتمع بمختلف مكوناتها الفكرية والأيدلوجية، وبحضور حقيقي لمختلف الشرائح والفئات العمرية لنتمكن من الانطلاق في مسارات التغيير المختلفة من أرضية صلبة بعد التوافق على مبادئ عامة وضوابط يلتزم بها الجميع، وأهداف يجد الجميع
آمالهم وطموحاتهم فيها، ولن يتحقق ذلك دون مغادرة مفردات الإقصاء والانفراد والاحتكار من معجمنا جميعا”.
وعن ما إذا كان تشكيل لجنة تقصي حقائق يعد ضرورة أمن أو لا أجاب بالقول: “نعم من الضرورة بمكان لاستجلاء حقائق الأحداث التي جرت في الفترة السابقة وتحديد المسؤولين عنها لابد أن يتم تشكيل لجنة تقصي حقائق وفقاً لمعايير تكفل شفافية وموضوعية عملها باعتبارها من آليات العدالة الانتقالية التي تترتب عليها باقي الخطوات كالتعويضات، وتخليد الذكرى، وضمان عدم التكرار، وهنا اقترح بأن لا تتجاوز مدتها العام نظرًا لحجم الملفات التي عليها التحقيق فيها”.
**مناسبة لواقعنا**
الناشطة الشبابية أماني حسان منسقة الأمانة العامة للحوار بمحافظة إب فرأت بأن “العدالة الانتقالية هي مصالحة وطنية وجبر الضرر مادياً أو معنوياً، وستجد طريقها للتنفيذ، وما تحتاجه هو وجود قائد، وأبرز العقبات هم المتنفذون وأصحاب المصالح والمتضررين من هذا القانون، كما أن هذه العدالة تُعد مناسبة جداً لواقعنا، وذلك لأنها من ستعيد الاعتبار لقضايا كثيرة عالقة حتى تطبق هذا القانون وأبرزها القضية الجنوبية، ولا تحتاج إلى لجان تقصي حقائق، لأن الحقائق معروفة على الساحة واللجان تلو اللجان فقط تأكل المال العام”.
**طي صفحة الماضي**
 شهاب عارف
شهاب عارف

الناشط شهاب عارف المقطري من جهته قال: “العدالة الانتقالية هي الآلية التي تمهد لعملية المصالحة الوطنية القائمة على جبر الضرر ورد الاعتبار لكل ضحايا الصراعات السياسية خلال سنوات الحكم الماضية، وذلك لتسهيل عملية الانتقال من حالة الصراع إلى حالة السلم وتعزيز الديموقراطي، والكشف عن الحقيقة ركن أساسي للعدالة الانتقالية، ولا يجوز أن يحول دون تحقيقه أي عائق، وبالتالي يجب جبر الضرر ورد الاعتبار لكل الضحايا والمتضررين، واعتبار من قتلوا في مسيرة النضال السلمي شهداء الوطن، وتخليد ذكراهم والاعتراف من قبل السلطات بخطأ النظام السابق، وتقديم الاعتذار الرسمي للضحايا، وسيكون ذلك على طريق غلق جميع ملفات صراعات الماضي البغيض وإلى الأبد، وتحقيق المصالحة الوطنية”.
وتابع بالقول: “أبرز العوائق التي تواجه العدالة الانتقالية هي استمرار سيطرة مراكز النفوذ والفساد على مؤسسات الدولة، الأمر الذي سيصعب على اللجان المشكلة لتقصي الحقائق وجبر الضرر وغيرها العمل باستقلالية وحيادية، كما أن وجودهم بلا شك سينتج عنه ضياع للأدلة وإخفائها أو الإدلاء بشهادات مزورة إلى آخره، ولهذا أرى بأن العدالة الانتقالية مناسبة في اليمن، وذلك ما أثبتته الأيام، فالكل يملك السلاح، ولا يمكن لطرف التنازل للآخر، وبالتالي تحقيق العدالة الانتقالية على طريق المصالحة الوطنية وطي صفحة الماضي هو المهم الآن، ويجب تشكيل لجنة تقصي حقائق تبدأ تحقيقاتها من عام 77 إلى وقتنا الحاضر، على اعتبار أن هذا التاريخ وما بعده جسد أهم انتهاكات القضايا ذات بعد وطني بامتياز”.
**إبعاد المتورطين**
وديع مرعي
وديع مرعي

أما الناشط وديع مرعي فقال عن هذه العدالة: “العدالة الانتقالية هي الانتقال من الحرب إلى السلم، وإيجاد عدالة تنصف المظلومين والمضطهدين لتحل هذه العدالة محل المشاكل والحروب، وتقيم السلم للمجتمع ليعيش بسلام، ولكي تجد طريقها للتنفيذ لابد من وجود ضغوطات يفرضها المجتمع الدولي والدول الراعية للمبادرة أولاً، وثانياً من خلال فرض هيبة الدولة وإبعاد المتورطين في القتل والتنكيل والمتسببين في الإعدامات الجماعية والمخفيين قسرا من المراكز المهمة والمؤثرة في الدولة لكي لا يشكلوا أي ضغط أو تهديد لمتابعي ومنفذي العدالة الانتقالية”.
وتابع بالقول: “إن أبرز الصعوبات التي تقف أمام إصدار قانون العدالة الانتقالية وتنفيذه هي بقاء المتورطين والمتهمين بارتكاب جرائم ضد الشعب في مناصبهم الحكومية، وعدم محاسبتهم ومساءلتهم وإحالتهم إلى الجهات المختصة بذلك، وكذا ضعف هيبة وأداء الدولة، وبقاء واستمرار المشاكل والحروب وعدم الانتهاء منها”.
وأضاف: “إن العدالة الانتقالية مناسبة لكل مجتمع يريد الخروج من أزماته ومشكلاته وحروبه، وتحقيق العدالة هو طي لصفحات الماضي، وبناء مستقبل يحلم به كل مواطن يمني بعيداً عن التمييز بكل أنواعه”.
وفيما يتعلق بتشكيل لجنة تحقيق لتقصي الحقائق قال مرعي في ختام حديثه لـ “الأيام”: “أنا أرى بأن يتم تشكيل لجان لتقصي الحقائق في القضايا المجهولة لكن بالنسبة لنا في اليمن، فالشعب يعرف غريمه وكل المتسببين في اغتيال المشروع المدني منذ 1978م”.
**لجنة حيادية متخصصة**

بدورها قالت الناشطة دنيا أحمد الصهباني: “العدالة الانتقالية هي تحقيق الإنصاف وإرضاء المدعي والمدعى عليه بعد استطلاع جذور النزاعات والصراع من قبل لجنة متخصصة وجبر الضرر، وإذا وجدت لدينا إرادة واصرار وأوجدنا آلية مناسبة لبيئة وطبيعة اليمن وتحملنا مسؤوليتنا فيها فمن المؤكد سيتم تحقيق المصالحة والعدالة الانتقالية ولو بعد حين”.
وعن أبرز العقبات التي تقف أمام إصدار وتنفيذ قانون العدالة الانتقالية قالت دنيا: “تضارب المصالح بين أصحاب المظالم، ووقوع الظلم من قبل جهات ذات سلطة، أيضا عدم وجود وعي مجتمعي حول أهمية الفصل في القضايا القديمة ومحاولة جبر الجروح السابقة، وضعف ثقة نسبة كبيرة من الشعب بأي آليات حديثة مستجلبة هذه هي أبرز العقبات”.
وبخصوص ما إذا كانت العدالة الانتقالية مناسبة للواقع اليمني قالت: “أهل اليمن هم أرق قلوبا وألين أفئدة، ودائما يغلب عليهم البحث عن المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية ليس مصطلح جديد على اليمن، وإنما هو واقع ممارس، ولكن وفق الآلية الجديدة المعتمدة في المصالحة والمختلفة نسبيا عن العرب هي الشيء الجديد، والذي سيتم تقبله بالتدريج”.
واختتمت حدثيها بالقول: “تشكيل لجنة تقصي حقائق مهم، ولكن يجب أن يتم تحديد القضايا ذات الأولوية، وتعيين لجنة حيادية متخصصة لمدة معينة لا تزيد عن سنتين”.
**هشاشة مؤسسات الدولة**
مالك طاهر
مالك طاهر

في حين رأى الناشط الحقوقي مالك طاهر أن “العدالة الانتقالية هي عدالة تقوم على تحقيق المحاسبة والتعويض للضحايا، وتقدم اعترافاً بحقوقهم خلال مرحلة مأساوية طغى عليها الظلم والاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان”.
أما عن أبرز العقبات التي تقف أمام تنفيذها هي هشاشة مؤسسات الدولة، وتشتت الولاءات في الجهاز الأمني والعسكري، وضعف سيطرة الدولة على كل الأراضي اليمنية مما ساهم في انتشار جماعات متطرفة وغير نظامية، وأوجد إعلام غير مهني موجه لأغراض شخصية، وهي مناسبة للواقع اليمني إذا ما أخذ بعين الاعتبار ما يتلاءم مع المجتمع اليمني، وبدون أي تمييز أو التفاف عليه، ولهذا أتمنى تشكيل لجنة تقصي حقائق تعمل على كشف الانتهاكات التي مورست خلال الفترة الماضية على الصعيد الوطني، وتشكل له باب في الدستور القادم إلى أن تستوفي عملها ولو بعد عشرة أعوام”.