> أحمد الأغبري:
باستئناف مفاوضات الرياض بين الحوثيين والسعودية يتجدد الأمل لدى البعض، بإمكانية تحقيق السلام في اليمن، لكن هناك مَن يرى أنها أشبه بالمناورة كسبا للوقت واستغلالا لمزيد من الخيارات، في سبيل تحديد أفضل للأهداف. لكن يبقى من المهم طرح سؤال اللحظة اليمنية في محاولة الإجابة عليه: هل بات الطريق سالكا للسلام في اليمن؟ وفي حال كان كذلك؛ ماذا يحتاج اليمن للمضي نحو السلام؟ وهل ثمة مؤشرات يمكن البناء عليها، والقول إن السلام بات قريبًا من هذا البلد الذي يعيش نزاعا دمويًا على السلطة منذ تسع سنوات؟
ويرى أستاذ علم الاجتماع السياسي، عبد الكريم غانم، في حديث لـ«القدس العربي» أن «ما تضمنه بيان مجلس الأمن الأخير من تأكيد على أهمية تسريع المشاورات بشأن السلام في اليمن، وما سبقه من تحركات أممية وما تبعه من تحركات دبلوماسية أوروبية، وإقليمية في مسقط والرياض، تعني تراجع تأثير العامل الخارجي في استمرار الصراع في اليمن، ليس أكثر، وهو ما رأى فيه الحوثيون فرصة لمقايضة تمديد الهدنة بإحراز المزيد من المكاسب تحت مسمى الملف الإنساني. ففي نظر الفاعلين الإقليميين والدوليين تبدو مساعي الحوثيين لتجديد الهدنة مقدمة لإحلال السلام، وفي الواقع أن طريق السلام مفخخ، ليس فقط بما يضمره الحوثيون من مشروع حكم سلالي يستند إلى مزاعم الحق الإلهي في الحكم ويرفض المشاركة السياسية، بل بما يعلنونه من رهان على القوة العسكرية في إخضاع خصومهم للقبول بمقايضة التحول من حالة اللاسلم واللاحرب السائدة حاليا، إلى تجديد الهدنة مقابل مكاسب اقتصادية وسياسية تجنيها هذه الجماعة، في إطار سعيها لاستغلال الرغبة الإقليمية والدولية في طي صفحة الحرب في اليمن، بإحراز المزيد من المكاسب، دون الاستعداد لتقديم أي تنازلات تذكر، معتقدة أن مجرد التلويح بالحرب كاف لجلب خصومها لطاولة التفاوض، والحديث عن فاعلية الضغوط الشعبية في مناطق سيطرة الحوثيين للذهاب نحو المفاوضات مبالغ فيه، فقد دأب الحوثيون على توظيف معاناة الأهالي في مناطق سيطرتهم، ولم يكونوا في يوم ما الحامل السياسي لمطالب المواطنين واحتياجاتهم».
فيما يقول أحمد الفلاحي إن «هناك عدة مؤشرات يمكن أن تشير إلى أن السلام في اليمن بات قريباً، ولكن يجب أن نتذكر أنه من الصعب تحديد الوقت الدقيق لحدوث ذلك بسبب الخروقات والانتهاكات المتكررة. وهذه بعض المؤشرات الأولية إلى اقتراب السلام: أولا: تحقيق تقدم في المفاوضات: إذا كان هناك تقدم ملموس ومستدام في المفاوضات بين الأطراف المتحاربة، وإذا تم التوصل إلى اتفاقيات هامة بشأن القضايا الرئيسية، فإن هذا يعد مؤشراً إيجابياً. ثانيا: تثبيت وقف إطلاق النار: إذا تمكنت الأطراف المتحاربة من الالتزام بوقف إطلاق النار والحفاظ على الهدنة والهدوء لفترات طويلة، فإن هذا يمكن أن يكون إشارة إيجابية إلى استقرار الأوضاع. ثالثا: التقدم في عمليات تبادل الأسرى: عمليات تبادل الأسرى تعد خطوة إيجابية نحو بناء الثقة بين الأطراف وإيجاد بيئة تسهم في تحقيق السلام. رابعا: ضمان وصول المساعدات الإنسانية: إذا تم تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تحتاجها دون عوائق وفك الحصار عن المناطق المحاصرة، فهذا يمكن أن يكون علامة على التزام الأطراف برعاية الحاجات الإنسانية وتخفيف المعاناة. خامسا: مشاركة المجتمع الدولي والدعم الإقليمي: إذا استمرت الجهود الدولية والإقليمية في دعم عمليات السلام في اليمن وتقديم الدعم السياسي والإنساني، فإن ذلك يعزز فرص النجاح. سادسًا: المشاركة الفعّالة للأطراف المعنية: إذا شملت عملية السلام مجموعة واسعة من الأطراف المعنية وتمثلت مصالحها بشكل كاف، فإن ذلك يمكن أن يسهم في تحقيق تسوية دائمة».
يبقى سؤال السلام هو السؤال الصعب الذي يمكن التوقف عنده كثيرًا في قراءة الأزمة اليمنية، وما آلت إليه الأوضاع بعد تسع سنوات من الحرب بموازاة لقاءات ومؤتمرات جمعت الأطراف في جنيف ومسقط والكويت وستوكهولم وغيرها، لكنها لم تفض إلى نتائج؛ فهل يمكن أن تكون مفاوضات الرياض منعطفًا هامًا في مسار السلام في اليمن؟ هذا ما ستجيب عليه الأيام القليلة المقبلة.
ويقول الباحث والكاتب اليمني أحمد الفلاحي لـ«القدس العربي»: «من الصعب تحديد مدى سالكية الطريق نحو السلام في اليمن بشكل قاطع، إذ يتأثر الوضع بعوامل متعددة ومعقدة من بينها: التدخلات الإقليمية والدولية، التوترات القبلية والمناطقية والشطرية، الانقسامات السياسية، الأزمة الإنسانية والاقتصادية، التحديات العسكرية، وأخيرا نقص الثقة بين الأطراف المتحاربة. ويعكف المجتمع الدولي والأطراف الرئيسية – والتي لا تحمل نية صادقة- على تحقيق تقدم في جهود إحلال السلام. وإعلان مجلس الأمن الأخير يشير إلى الضغوط المتزايدة لتحقيق تسوية سلمية في اليمن، إلا أن هناك تحديات رئيسية تواجه عملية السلام في اليمن. أحد هذه التحديات التدخل الإقليمي والدولي. فعلى الرغم من التزام المجتمع الدولي بدعم جهود السلام، لا تزال هناك تدخلات تعرقل التقدم. دور دول الجوار، وخاصة الدور السعودي والعماني، يظل حاسما في تحقيق التوافق إذا كان هناك توجه حقيقي وصادق».
ويعتقد الفلاحي أن «مفاوضات الرياض أيضًا مثلت خطوة مهمة نحو تحقيق السلام. وتمكنت الأطراف المختلفة من التوصل إلى تفاهمات واتفاقيات مهمة. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات تتعلق بتنفيذ تلك الاتفاقيات على الأرض. المرحلة المقبلة تتطلب أيضًا تركيزا على تحقيق الاستقرار السياسي وأن تتجه الجهود نحو تعزيز الحوار بين الأطراف المتورطة، إذ من المهم أن يتمثل الحل في إرادة سياسية حقيقية لتحقيق السلام الشامل. في النهاية، لا بد من أن يكون تحقيق السلام في اليمن ناتجا عن مجهودات مشتركة من الأطراف المعنية والمجتمع الدولي، والتوجه نحو السلام يتطلب إرادة صادقة ومواصلة الجهود لتجاوز التحديات وتحقيق التوافق الوطني».
- سلام مستدام
- حوار يمني يمني
- حمل كاذب
يقول عبد الكريم غانم: «حتى الآن لا مؤشرات حقيقية يمكن البناء عليها في توقع سلام دائم، يفضي لحدوث انفراج سياسي، فما يحدث أشبه بحمل كاذب، مصدره حالة المد والجزر التي يبديها الحوثيون عبر التلويح بالحرب وإظهار المرونة في الوقت نفسه، لجذب الاهتمام الإقليمي والدولي، بغية تحقيق مكاسب أحادية، قد يتمكنون من جني بعضها، بما يمثله ذلك من اختلال بميزان القوى الأمر الذي يجعل عملية السلام ومسار الحل السياسي الشامل أكثر تعقيدا».
- وبعد
يبقى طريق السلام في اليمن متاحًا متى ما اقتنعت الأطراف المتنازعة بحاجتها لدولة عادلة واكتفائها من الحرب، التي لا يمكن أن تكرس باطلا على حساب وطن يمتلكه الجميع؛ فهذا وحده كفيل بالمضي نحو السلام؛ إذ تبقى الطريق غير سالك نحوه في حال بقي أطراف الصراع يحتكمون للقوة ويحتكرون تمثيل الوطن، ويعتدون بالسلاح والحسم العسكري. صحيح أن المجتمعين الإقليمي والدولي باتا مقتنعين بأن الحل في اليمن هو سياسي؛ لكن في هذه الحال يمكن اعتبار أن مفاوضات الرياض ستكون الاختبار الحقيقي لهذا الاختيار؛ إذ يبقى الإقليم، بموازاته لطرفي الصراع، عاملا قويا في طي صفحة الحرب واستقرار البلاد، على أن يكون السلام المرجو هو الذي يُعيد اليمن إلى نصابه، ويعزز من كيان دولته المدنية القائمة على المواطنة المتساوية، وصون الحقوق والحريات، والإعلاء من شأن الإنسان وقيمة الوطن الكبير، الذي يحتفي ويحمي التنوع والتعايش، ما دون ذلك يكون سلامًا مفخخًا، يجعل اليمن بيئة خصبة لتجدد دورات الصراع؛ باعتبار أن الغلبة ستبقى المتحكمة بالقرار اعتمادًا على قوة السلاح الشارد، بينما يُفترض أن يكون السلاح ملكًا وحكرًا على الدولة وحدها.
القدس العربي