أخر تحديث للموقع
الخميس, 04 يونيو 2026 - 01:09 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • الهوية الجنوبية: خط الدفاع الأول

    د. حسين لقور بن عيدان




    حين نتحدث عن الهوية العربية الجنوبية بوصفها خط الدفاع الأول، فإننا لا نُطلق صرخة عاطفية أو نستحضر ماضيًا للتباهي به، بل نؤسس لموقف استراتيجي صارم مبنيٍّ على حسابات السياسة قبل حسابات القلب. ذلك أن القبول باليمننة إطارًا للحل لا يعني التنازل عن الحق فحسب، بل يعني إسقاط أوراق تفاوضية لا تُعوَّض.

    الجنوب ليس محافظات طرفية في دولة فاشلة و متصدعة، بل كيانٌ حمل اعترافًا دوليًا، وخاض تجربة دولتين مع الجيران في اليمن، وورث شرعية قانونية لا تنتهي بتوقيع إكراهي على وثيقة الوحدة عام 1990. هذا الرصيد القانوني لا يمكن تفعيله داخل إطار يُقدِّم قضية شعب الجنوب نزاعاً داخلياً، لأن القانون الدولي يكفل حق تقرير المصير للشعوب لا للمحافظات.

    وما يضاعف ثمن هذا التفريط هو الموقع الجيوستراتيجي للجنوب. باب المندب وخليج عدن وسقطرى ليست جغرافيا عادية؛ إنها نقاط تحكم في شريان الملاحة الدولية تتنافس على قربها قوى كبرى، وتُدار مفاوضات صامتة على حضورها. هذه المواقع تتضاعف قيمتها حين تمثلها دولة ذات سيادة تتفاوض باسمها، وتتبخر حين تُختزل في محافظات تابعة تأخذ قراراتها من صنعاء أو من غيرها.

    ثم هناك ورقة الموارد. النفط والغاز الجنوبي لا يساوي بين يدي إقليم تابع ما يساويه بين يدي كيان سيادي يملك حق التفاوض المستقل على العقود والشراكات والحصص. الفارق ليس في الرقم بل في من يمسك القلم.

    الأخطر من ذلك كله أن بعض القوى الإقليمية والدولية تدفع نحو اليمننة بوعي تام، لأن إبقاء الجنوب ورقةً في يد غيره أجدى لها من مواجهة لاعب مستقل يمتلك رأياً وخياراً وسقفاً تفاوضياً خاصًّا.

    لهذا كله، فإن التمسك بالهوية الجنوبية ليس عناداً وتعصبًا عرقيًا أو مذهبيًا، بل هو الشرط الأول لأي مسار سياسي جدي. الجنوبي الذي يقبل التفاوض من داخل الإطار اليمني يجلس على الطاولة وقد ترك أهم أوراقه خارج الباب. والمفاوض الذي يدخل مجردًا من أوراقه لا يفاوض، بل يُوقِّع.

المزيد من مقالات (د. حسين لقور بن عيدان)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال