في قلب القارة الأفريقية، تتجلى تجارب اقتصادية جريئة، قادرة على إعادة تعريف مسارات التنمية ومواجهة التحديات المزمنة. قبل ما يقرب من ثلاث سنوات، أتيحت لي مع بعض الزملاء فرصة فريدة لاستكشاف عدد من البلدان الأفريقية، من تونس والقاهرة إلى أديس أبابا، وصولاً إلى الصومال وجمهورية أرض الصومال. وبينما قدمت هذه الجولة البحثية العديد من التجارب المذهلة، فقد لفت انتباهي جانب محدد ومثير للاستكشاف في الصوماليتين: الاعتماد شبه الكلي على المعاملات الرقمية عبر الهواتف المحمولة في جميع الأنشطة التجارية.
حيث مثّلت هذه التجربة الصومالية، وبخاصة في جنوب الصومال، خطوة اقتصادية جريئة وغير مسبوقة. ففي تحول جذري، عمدت الحكومة إلى حظر استخدام العملات الورقية تمامًا، متبنية نظامًا رقميا شاملا أحدث ثورة في المعاملات النقدية. فقد أصبحت الرواتب تُصرف كرصيد عبر الهاتف، وتُجرى جميع المعاملات التجارية، من البقالات والحلاقين وحتى التحويلات للمتسولين، عبر هذا النظام الرقمي المتكامل. وعندما استكشفنا العاصمة والمدن الرئيسية، أصبح من الواضح أن هذا النظام قد كبح جماح التلاعب بأسعار صرف العملات الأجنبية بشكل كبير، مانحًا الدولة سيطرة أكبر على ديناميكيات الاقتصاد الكلي.
وعلى بُعد مئات الكيلومترات، تقف جمهورية أرض الصومال (صوماليلاند) ــ التي انتقلنا إليها برا ــ في طليعة هذه الثورة الرقمية، وإن كانت بخطى مختلفة. ففي حين تحتفظ الدولة بنظام التجارة الورقية، إلا أنها استكملته ببنية تحتية قوية للدفع الرقمي، جلبت فوائد جمة لاقتصادها. وقد أفضى هذا النظام الهجين إلى زيادة ملحوظة في الكفاءة والشفافية والأمن في المعاملات المالية، وهو ما انعكس إيجابًا على تعزيز النمو الاقتصادي والاستقرار النقدي. فالتخلص من وسطاء الصرافة التقليديين، الذين لطالما كانوا بؤرة للتلاعب بأسعار الصرف، خلق ساحة لعب متكافئة للشركات والأفراد على حد سواء، وقلل من فرص الاحتكار والمضاربة الضارة.
تثير هذه التجربة الصومالية تساؤلاً بالغ الأهمية: إذا تمكنت دولة نامية مثل الصومال، والتي عانت طويلاً من تحديات سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية معقدة، من تنفيذ نظام العملة الرقمية بنجاح، فلماذا لا تحذو اليمن، وهي دولة مجاورة تعاني من اضطراب مصرفي وتلاعب مستمر بأسعار الصرف الأجنبي، حذوها لمعالجة هذه المعضلة الاقتصادية حيث تُواجه اليمن اليوم، وبشكل فريد وغير مسبوق، تحديات جمة يفرضها التلاعب بأسعار الصرف وتأثيره المدمر على عملتها المحلية. فغياب نظام نقدي رقمي قوي وشفاف، على غرار النظام القائم في الصومال، أدى إلى إدامة هذه القضايا وتفاقمها، مما يعيق الاستقرار الاقتصادي ويدفع العملة المحلية إلى هبوط حاد ومستمر مقابل العملات الأجنبية. إذ إن التضارب المصرفي وتعدد مراكز اتخاذ القرار النقدي في اليمن أوجد بيئة خصبة للمضاربة، حيث تتسع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر في السوق الموازية، مما يثقل كاهل المواطن ويقوض أي جهود للتعافي الاقتصادي.
إن فوائد التحول إلى نظام نقدي رقمي لا تقتصر على كبح جماح التلاعب بأسعار الصرف فحسب، بل تمتد لتشمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية أوسع. فالعمليات الرقمية توفر أمانًا معززًا للمعاملات، وتقلل من تكاليف التداول، وتزيد من الشمول المالي للسكان الذين لا يمتلكون حسابات مصرفية تقليدية، والذين يشكلون شريحة واسعة في بلدان مثل اليمن. ومن خلال تبسيط العمليات المالية وتقليل الاعتماد على العملة الورقية، التي غالبًا ما تكون عرضة للتلف والفقدان والتزوير، يمكن للاقتصادات تحقيق قدر أكبر من الكفاءة والمرونة في مواجهة الصدمات.
ومن الواضح أن تنفيذ نظام العملة الرقمية يمكن أن يمهد الطريق لتحقيق تقدم واستقرار اقتصادي كبير. وبما أن اليمن يواجه حاليًا تحديات اقتصادية هيكلية، فإن تقييم نجاح التحول الرقمي في الصومال يعد درسًا لا يقدر بثمن ونموذجًا عمليًا يستحق الدراسة والتطبيق.
لقد آن الأوان لكي يفكر اليمن جديًا في اعتماد بنية تحتية مماثلة للعملة الرقمية لمواجهة الأزمات المالية والنقدية وانعدام السيولة. فهذه الخطوة لن تعالج التلاعب في أسعار الصرف فحسب، بل ستحدث أيضًا ثورة في نظامه المالي بأكمله، وتوفر منصة آمنة وفعالة للمعاملات، وتساهم في تعزيز النمو الاقتصادي والاستقرار والشمول المالي لجميع مواطنيه. ففي عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي، لم يعد التمسك بالأنظمة التقليدية القديمة خيارًا مستدامًا، بل أصبح التحول الرقمي ضرورة ملحة لتحقيق الازدهار والتحرر من قيود الماضي.
وبينما نشهد التقدم الملحوظ الذي حققته دول مثل الصومال، فمن الأهمية بمكان أن تتعلم الدول التي تعاني من أزمات نقدية من نجاحاتها وتتبنى إمكانات العملات الرقمية. ويجب على اليمن والدول الأخرى التحرر من قيود العملات الورقية التقليدية والشروع في رحلة تحويلية نحو المستقبل الرقمي، مستقبل يَعِدُ بالشفافية والكفاءة والعدالة الاقتصادية.
حيث مثّلت هذه التجربة الصومالية، وبخاصة في جنوب الصومال، خطوة اقتصادية جريئة وغير مسبوقة. ففي تحول جذري، عمدت الحكومة إلى حظر استخدام العملات الورقية تمامًا، متبنية نظامًا رقميا شاملا أحدث ثورة في المعاملات النقدية. فقد أصبحت الرواتب تُصرف كرصيد عبر الهاتف، وتُجرى جميع المعاملات التجارية، من البقالات والحلاقين وحتى التحويلات للمتسولين، عبر هذا النظام الرقمي المتكامل. وعندما استكشفنا العاصمة والمدن الرئيسية، أصبح من الواضح أن هذا النظام قد كبح جماح التلاعب بأسعار صرف العملات الأجنبية بشكل كبير، مانحًا الدولة سيطرة أكبر على ديناميكيات الاقتصاد الكلي.
وعلى بُعد مئات الكيلومترات، تقف جمهورية أرض الصومال (صوماليلاند) ــ التي انتقلنا إليها برا ــ في طليعة هذه الثورة الرقمية، وإن كانت بخطى مختلفة. ففي حين تحتفظ الدولة بنظام التجارة الورقية، إلا أنها استكملته ببنية تحتية قوية للدفع الرقمي، جلبت فوائد جمة لاقتصادها. وقد أفضى هذا النظام الهجين إلى زيادة ملحوظة في الكفاءة والشفافية والأمن في المعاملات المالية، وهو ما انعكس إيجابًا على تعزيز النمو الاقتصادي والاستقرار النقدي. فالتخلص من وسطاء الصرافة التقليديين، الذين لطالما كانوا بؤرة للتلاعب بأسعار الصرف، خلق ساحة لعب متكافئة للشركات والأفراد على حد سواء، وقلل من فرص الاحتكار والمضاربة الضارة.
تثير هذه التجربة الصومالية تساؤلاً بالغ الأهمية: إذا تمكنت دولة نامية مثل الصومال، والتي عانت طويلاً من تحديات سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية معقدة، من تنفيذ نظام العملة الرقمية بنجاح، فلماذا لا تحذو اليمن، وهي دولة مجاورة تعاني من اضطراب مصرفي وتلاعب مستمر بأسعار الصرف الأجنبي، حذوها لمعالجة هذه المعضلة الاقتصادية حيث تُواجه اليمن اليوم، وبشكل فريد وغير مسبوق، تحديات جمة يفرضها التلاعب بأسعار الصرف وتأثيره المدمر على عملتها المحلية. فغياب نظام نقدي رقمي قوي وشفاف، على غرار النظام القائم في الصومال، أدى إلى إدامة هذه القضايا وتفاقمها، مما يعيق الاستقرار الاقتصادي ويدفع العملة المحلية إلى هبوط حاد ومستمر مقابل العملات الأجنبية. إذ إن التضارب المصرفي وتعدد مراكز اتخاذ القرار النقدي في اليمن أوجد بيئة خصبة للمضاربة، حيث تتسع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر في السوق الموازية، مما يثقل كاهل المواطن ويقوض أي جهود للتعافي الاقتصادي.
إن فوائد التحول إلى نظام نقدي رقمي لا تقتصر على كبح جماح التلاعب بأسعار الصرف فحسب، بل تمتد لتشمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية أوسع. فالعمليات الرقمية توفر أمانًا معززًا للمعاملات، وتقلل من تكاليف التداول، وتزيد من الشمول المالي للسكان الذين لا يمتلكون حسابات مصرفية تقليدية، والذين يشكلون شريحة واسعة في بلدان مثل اليمن. ومن خلال تبسيط العمليات المالية وتقليل الاعتماد على العملة الورقية، التي غالبًا ما تكون عرضة للتلف والفقدان والتزوير، يمكن للاقتصادات تحقيق قدر أكبر من الكفاءة والمرونة في مواجهة الصدمات.
ومن الواضح أن تنفيذ نظام العملة الرقمية يمكن أن يمهد الطريق لتحقيق تقدم واستقرار اقتصادي كبير. وبما أن اليمن يواجه حاليًا تحديات اقتصادية هيكلية، فإن تقييم نجاح التحول الرقمي في الصومال يعد درسًا لا يقدر بثمن ونموذجًا عمليًا يستحق الدراسة والتطبيق.
لقد آن الأوان لكي يفكر اليمن جديًا في اعتماد بنية تحتية مماثلة للعملة الرقمية لمواجهة الأزمات المالية والنقدية وانعدام السيولة. فهذه الخطوة لن تعالج التلاعب في أسعار الصرف فحسب، بل ستحدث أيضًا ثورة في نظامه المالي بأكمله، وتوفر منصة آمنة وفعالة للمعاملات، وتساهم في تعزيز النمو الاقتصادي والاستقرار والشمول المالي لجميع مواطنيه. ففي عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي، لم يعد التمسك بالأنظمة التقليدية القديمة خيارًا مستدامًا، بل أصبح التحول الرقمي ضرورة ملحة لتحقيق الازدهار والتحرر من قيود الماضي.
وبينما نشهد التقدم الملحوظ الذي حققته دول مثل الصومال، فمن الأهمية بمكان أن تتعلم الدول التي تعاني من أزمات نقدية من نجاحاتها وتتبنى إمكانات العملات الرقمية. ويجب على اليمن والدول الأخرى التحرر من قيود العملات الورقية التقليدية والشروع في رحلة تحويلية نحو المستقبل الرقمي، مستقبل يَعِدُ بالشفافية والكفاءة والعدالة الاقتصادية.



















