في مشهد يعكس أزمة بنيوية عميقة، تتأرجح قيمة الريال اليمني بين صعود مفتعل وهبوط مفاجئ، دون أن يكون لهذا التقلب الحاد أي سند من منطق الاقتصاد أو مؤشرات السوق الحقيقية. فالقرارات التي تحكم بها أسعار الصرف اليوم ليست سوى أدوات في يد اطراف سياسية تتحكم بمصادر التمويل وتوجه دفة الاقتصاد وفق أجندات ضيقة، لا علاقة لها بتحسين معيشة المواطن أو استقرار البلاد.

وصلت أسعار العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، رغم عدم وجود مبررات اقتصادية تدعم هذا الانفلات، سواء من حيث العرض والطلب، أو من حيث السياسات النقدية الفاعلة. والأكثر غرابة أن هذا الارتفاع تبعه هبوط حاد ومفاجئ، دون أي إصلاحات مالية أو إجراءات حقيقية لمعالجة الأسباب الجذرية للتضخم، مما يؤكد أن كلا السيناريوهين كانا موجهين من قبل البنك المركزي، كجزء من لعبة سياسية تهدف إلى إرهاق المواطن وإذلاله.

هذا التلاعب المتعمد يظهر أن الاقتصاد في البلاد قد تحول إلى ساحة للمناورات، حيث تستخدم العملة كسلاح لاستنزاف الناس نفسيا وماديا، وجرهم إلى دائرة اليأس والإحباط. فكلما شعر المواطن بومضة امل، تسحب البساط من تحت قدميه عبر أزمات جديدة تعيده إلى نقطة الصفر، بل وأسوأ.

ليس من الحكمة أن يندفع المواطنون إلى التفاؤل المفرط بهبوط مؤقت في سعر الصرف، فالتجربة أثبتت أن هذه التقلبات تحاك في الغرف المغلقة، وتستخدم كأداة لتمرير صدمات أكبر لاحقا. فالقوى التي تتحكم بسوق العملة اليوم قادرة على قلب المعادلة بين ليلة وضحاها، ليعود الدولار والعملات الأجنبية إلى الارتفاع مجددا، وربما بمستويات اعلى، تاركة الناس أمام واقع اكثر قسوة، بعد أن استنفدوا ما تبقى من مدخراتهم في محاولات يائسة لمواكبة التقلبات.

هذا النمط من الأزمات المدارة يذكرنا ب"اقتصاد الكمائن"، حيث يترك المواطن في حالة ترقب دائم، غير قادر على التخطيط لمستقبله، وغير واثق من أي تحسن عابر. والهدف واضح: إبقاء الشعب في حالة من الإنهاك المستمر، حتى يفقد القدرة على المطالبة بحقوقه أو مقاومة السياسات المفروضة عليه.

وفي خضم هذه المعركة، يبرز دور الإعلام كمضلل مقصود، لا كمنصف أو ناقل للحقيقة. فغالبية الوسائل الإعلامية، باختلاف انتماءاتها، تعمل كبوق للسياسيين، تهول حينا وتهون حينا آخر، حسبما تمليه الأجندات الخفية. والخطورة هنا لا تكمن في تحيز الإعلام فحسب، بل في قدرته على تشكيل وعي الجمهور وتوجيه ردود أفعالهم نحو مسارات تخدم أطرافا بعينها.

لذا، فإن الخروج من هذه المصيدة يتطلب وعيا فرديا وجماعيا يقظا. حيث لا يمكن ترك العقول رهينة لخطاب إعلامي معد سلفا، ولا يجوز الثقة بكل ما ينشر دون تمحيص. والحل الوحيد هو اعتماد العقل النقدي، والبحث عن المعلومات من مصادر متنوعة، وقراءة التحولات الاقتصادية بعيدا عن الضجيج الإعلامي المغرض.

القادم قد يكون اكثر قسوة، فمن يحرك خيوط الاقتصاد اليوم لا يهدف إلى إنقاذ البلاد، بل إلى تحويل الشعب إلى رهينة في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل. لذلك، فإن أي هبوط في الأسعار يجب أن يقرأ كهدنة مؤقتة، وليس كحل جذري.

الخيار الوحيد المتاح أمام الناس هو توخي الحذر، وعدم الانسياق وراء التفاؤل الساذج، والاستعداد لمواجهة المزيد من التحديات. ففي ظل غياب الشفافية وسيادة منطق القوة، لن يكون الاقتصاد سوى وجه آخر للحرب. والبقاء للأكثر وعيا، لا للأكثر تفاؤلا.