> ندى عبد الفتاح:
على الرغم من استمرار الحرب في اليمن، يغامر عشرات الآلاف من المهاجرين من القرن الأفريقي بحياتهم يوميًا على الطريق الشرقي، حيث يعبرون الوديان والجبال والسهول سيرًا على الأقدام، ثم يعبرون البحر الأحمر نحو أرض الصراعات والتهديدات.
تنتظرهم هناك شبكات تهريب لا ترحم وعنف مستمر يهدد كل خطوة في رحلتهم. ومع كل هذه المخاطر، يبقى هذا الطريق آخر أمل لهم للوصول إلى دول الخليج، وخاصة السعودية، بحثًا عن حياة أفضل وفرص جديدة.
لا تكاد تمر فترة دون أن تتكرر المأساة ذاتها على سواحل اليمن، حيث يفقد عشرات المهاجرين الأفارقة حياتهم غرقًا بعد انطلاقهم في مغامرة الهروب من الفقر والعنف على متن قوارب متهالكة. نهاية الأسبوع الماضي أكدت الأمم المتحدة ومصادر أمنية يمنية وفاة عشرات المهاجرين غير النظاميين القادمين من إثيوبيا، إضافة إلى فقدان عشرات آخرين عقب انقلاب قاربهم في مياه البحر الأحمر قبالة محافظة أبين اليمنية.
وكشف تقرير مركز الهجرة أن عشرات الآلاف من المهاجرين، معظمهم من الإثيوبيين والصوماليين، يسلكون سنويًا الطريق الشرقي عبر البحر الأحمر واليمن بحثًا عن فرص عمل في دول الخليج، وعلى رأسها السعودية. وصل نحو 97 ألف مهاجر إلى اليمن في 2023، متجاوزين أعداد المهاجرين عبر طرق البحر المتوسط والجنوبي.
ورغم كثرة استخدام هذا الطريق، فإنه يبقى مغامرة محفوفة بالموت والمخاطر، إذ لقي أكثر من 1300 مهاجر مصرعهم غرقًا خلال العقد الماضي، وسجل عام 2024 نحو 400 وفاة.
في هذا السياق يقول لؤي العزازي، الصحفي والناشط الحقوقي المختص بقضايا المهاجرين الافارق لـ"مهاجر نيوز"، إن اليمن تمثل نقطة عبور رئيسية للمهاجرين القادمين من دول القرن الأفريقي، خاصة إثيوبيا والصومال، نظرًا لقربها الجغرافي من المملكة السعودية.
ويبدأ المهاجرون رحلتهم غالبًا من إثيوبيا مرورًا بجيبوتي أو بوساسو في الصومال، قبل أن يُقلّوا عبر البحر الأحمر إلى السواحل اليمنية على متن قوارب متهالكة.
من جهته، أوضح شيخ محمد، رئيس "جمعية مكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر" أن السواحل اليمنية مفتوحة أمام المهاجرين، وغالبًا ما يصل أكثر من 200 مهاجر يوميًا. وأضاف أن معاناة المهاجرين لا تنتهي بوصولهم، حيث يُحتجزون ويواجهون سوء المعاملة، مع تعرض النساء لمخاطر الاغتصاب والاستغلال الجنسي.
- شبكات الاتجار بالبشر تضلل وتستغل المهاجرين
ويؤكد العزازي أن شبكات الاتجار بالبشر تستهدف الفئات الأكثر ضعفًا وفقرًا، حيث تتحمل تكاليف السفر والطعام والمأوى للمهاجرين، ثم توهمهم بتوفير فرص عمل. لكن الأموال التي يدفعها هؤلاء المهاجرون عادةً ما تذهب إلى العصابات التي تدير هذه العمليات.
ويوضح أن هذه الانتهاكات تنبع من أوهام يُروّج لها بين المهاجرين، إذ يُقال لهم إنه بعد فترة قصيرة من وصولهم إلى اليمن، سيتم نقلهم إلى السعودية وتوفير وظائف مناسبة لهم، مع وعد بصرف مستحقاتهم المالية تدريجيًا. إلا أنهم يصدمون عند وصولهم، إذ يُحتجزون في مخازن خاصة، ويُخيفونهم بإشاعات "دتفيد أن اليمنيين ليسوا شعبًا ودودًا، وأنهم قد يتعرضون للاعتداء الجنسي، خاصة مع وجود حاجز اللغة".
في مارس 2021، شهد مركز احتجاز للمهاجرين الأفارقة في صنعاء، الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، حريقًا كارثيًا أودى بحياة أكثر من 60 شخصًا، وأدى إلى إصابة مئات آخرين، في واحدة من أسوأ المآسي التي طالت المهاجرين في اليمن. ووصفت منظمة هيومن رايتس ووتش الحادثة بأنها "جريمة مروعة" تتطلب تحقيقًا دوليًا مستقلًا.
وقد شهد العزازي بنفسه هذه البيوت في منطقة شبوة، حيث أشرف على "إخراج ثلاث فتيات من هذه الأماكن بعد تعرضهن لانتهاكات جسيمة على يد المتشددين".
- انتهاكات وصمت مريب
بيّن العزازي أن العديد من الانتهاكات تُرتكب داخل الأراضي اليمنية بعيدًا عن الأنظار، في مناطق نائية ومعزولة عن العالم. وأوضح أن هذه الجرائم تشمل تصفية اللاجئين، وخاصة من المسيحيين الفارين من الحروب الأهلية في بلدانهم، حيث تُنفّذ أعمال انتقامية بحقهم داخل اليمن بتسهيلات من جهات نافذة، بعيدًا عن أعين المجتمع الدولي. وأضاف أن هناك حالة من التكتم الشديد حول هذه القضية، إذ ترفض أطراف الصراع الحديث عنها أو الكشف عن تفاصيلها في الوقت الحالي.
أوضح شيخ محمد أن اللاجئين في اليمن لا يتمتعون بأي حماية قانونية أو حقوق إنسانية، مؤكّدًا أن "لا دولة تحميهم، ولا جهة تتدخل لإنقاذهم". وأضاف: "يموت العشرات يوميًا على الحدود السعودية، بينما يظل اللاجئون في اليمن ضحايا لتجار البشر".
وأشار محمد إلى أن بعض الجهات الأمنية لا تكتفي بغض الطرف فقط، بل تقوم باحتجاز اللاجئين وتسليمهم مباشرة إلى المهربين مقابل المال. وقال في هذا الإطار: "الدولة تجمعهم ثم تبيعهم لتجار البشر، حيث يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب، وقد يصل الأمر إلى الموت".
وأكد شيخ محمد أنه رغم تقديم جمعيته عدة مطالبات وشكاوى للسلطات، إلا أن الاستجابة كانت معدومة، وتابع بالقول: "حتى حق التجول محظور عليهم، إذ أصبحت عقول بعض المسؤولين رهينة للمهربين".
*عن المهاجر نيوز













