> علي عبدالإله سلام:

كان لليمنيين العاملين في المنظمات الأممية والمنظمات الدولية صدمة من احتجاز زملاءهم مطلع يونيو من العام 2024، شكل ذلك انزعاجًا من المنظمات التي تعمل في المناطق التي يسيطر عليها جماعة أنصار الله (الحوثي) أثّر ذلك في توقف بعض المشاريع والأنشطة بسبب عدم الاستجابة للإفراج عن الموظفين المحتجزين، فبعض المنظمات أقفلت مكاتبها حتى إشعار آخر والبعض علقت عملها إلى حين الإفراج عن زملاءهم.

فمنذ أكثر من عام، لا يزال عدد من العاملين في المنظمات الإنسانية، من بينهم موظفون في الأمم المتحدة ومنظمات دولية غير حكومية، رهن الاعتقال في سجون جماعة الحوثي في مناطق سيطرتهم مثل صنعاء والحديدة وحجة وذمار دون تهم رسمية أو إجراءات قانونية واضحة. هذا الاحتجاز القسري، الذي طال أيضًا عاملين محليين في القطاع الإنساني، يسلط الضوء على التدهور الخطير في بيئة العمل الإنساني في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ويثير أسئلة حادة حول احترام الجماعة للمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني.

ففي أوائل شهر يونيو 2025 شنّت قوات الأمن الحوثية سلسلة من المداهمات في محافظات صنعاء والحُديدة وحجة، واعتقلت ما لا يقل عن 27 موظفًا، أربع نساء و 23 رجلًا، يعملون في وكالات الأمم المتحدة وما لا يقل عن سبع منظمات مجتمع مدني محلية ودولية وأخذتهم من منازلهم أو مكاتبهم. ولم تكشف السلطات الحوثية لعائلات الموظفين المحتجزين عن مكانهم، وهم يقبعون بمعزل عن العالم الخارجي ويُحرمون من حقهم بالاستعانة بمحامٍ أو الاتصال بعائلاتهم.

إجراءات الاحتجاز التعسفي أثرت كثيرًا على الجانب الإنساني والذي يخدم قرابة 3 ملايين من اليمنيين تضمنت إغلاق الكثير من القطاعات الإنسانية أولها الأمن الغذائي والنقد وقطاعات الصحة ممثلة بمرافق الصحة التوليدية والإنجابية أو حتى حملات اللقاحات السنوية في عموم اليمن، كما أن مراكز الحماية المجتمعية ممثلة بالدعم النفسي الاجتماعي والإيواء تأثرت كثيرًا.
  • أبعاد الأزمة
تتراوح دوافع هذه الاعتقالات من قبل جماعة الحوثي بين اتهامات بالتجسس، والتعاون مع "أطراف معادية"، و"نشر معلومات مغلوطة"، وهي تُوجَّه غالبًا بدون أدلة أو محاكمات. وقد شملت الاعتقالات موظفين من منظمات مثل برنامج الأغذية العالمي، اليونيسيف، ومفوضية اللاجئين، ما يمثل تهديدًا مباشرًا للعمل الإنساني المحايد الذي يعتمد على الثقة والتعاون مع جميع الأطراف.

وكانت جماعة الحوثي قد أحالت في وقت سابق 6 موظفين يمنيين عملوا في السفارة والمنظمات الأمريكية إلى النيابة الجزائية المتخصصة المعنية بقضايا الإرهاب، بعد اعتقالهم في أكتوبر 2021.

وكانت قد أعلنت جماعة الحوثي في بيان بثه التلفزيون يوم الاثنين أنها ألقت القبض على "شبكة تجسس أمريكية إسرائيلية"، وذلك بعد أيام قليلة من اعتقال عشرات الموظفين التابعين للأمم المتحدة والسفارة الأمريكية.

وقال عبد الحكيم الخيواني رئيس جهاز المخابرات التابع للجماعة إن الشبكة تضم موظفين سابقين في السفارة الأمريكية باليمن، واستخدموا العمل في 14 منظمة تابعة للأمم المتحدة ودولية كغطاء لعملهم التجسسي بعد خروج السفارة الأمريكية من اليمن.

وذكر الخيواني أن الشبكة قامت بأدوار تجسسية وتخريبية في مؤسسات رسمية وغير رسمية على مدى عقود لصالح العدو.

والمنظمات الـ14 بينها: المفوضية السامية لحقوق الإنسان، يونيسيف، الفاو، وكالة الأمريكية للتنمية، ذا سيف تشلدرن، جي اي زد الألمانية، ومعاهد للغة الانجليزية مثل يالي وأكسيد.

ونشر تلفزيون المسيرة مقاطع مصورة لـ10 من الأشخاص قالت إنها اعترافات لشبكة التجسس، وأضافت إنه جزء بسيط ضمن المرحلة الأولى. وزعمت الجماعة إن هذه الخلية تقوم بأدوارها منذ عقود.
  • التداعيات الإنسانية
احتجاز هؤلاء العاملين أدى إلى اضطراب كبير في عمليات الإغاثة، خاصة في بلد يعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. توقفت أو تقلصت عدة برامج، خصوصاً في مجالات الأمن الغذائي والصحة والتعليم، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على ملايين اليمنيين المحتاجين للمساعدة.

علاوة على ذلك، فإن هذه الاعتقالات ترسل رسالة تهديد لبقية العاملين المحليين والدوليين، وتخلق مناخًا من الخوف والرقابة الذاتية، ما يحدّ من قدرة المنظمات على الوصول للمجتمعات المتضررة.
  • موقف المجتمع الدولي
رغم الإدانات المتكررة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لم تتمكن الضغوط الدبلوماسية حتى الآن من ضمان الإفراج عن المعتقلين. ويعود ذلك جزئياً إلى تعقيد المشهد اليمني وتعدد القوى الفاعلة فيه، وكذلك إلى حرص العديد من الجهات الدولية على الحفاظ على خطوط الإمداد الإنسانية حتى في بيئة عدائية.
  • حوادث مأساوية أثناء الاعتقال
وفاة أحد موظفي برنامج الغذاء العالمي: وكان برنامج الأغذية العالمي قد أعرب عن الحزن والغضب لوفاة موظفه. وفي بيان أصدره، قال البرنامج إن الموظف الذي يدعى أحمد كان عاملًا مخلصًا في المجال الإنساني مع برنامج الأغذية العالمي منذ 2017، وأبًا لطفلين.

وأعرب البرنامج عن الحزن لهذه الخسارة المأساوية، وقدم تعازيه لأسرة المتوفى وأحبته. سيندي ماكين، المديرة التنفيذية للبرنامج قالت إنها "حزنت وغضبت من الخسارة المأساوية لعضو فريق برنامج الأغذية العالمي، أحمد، الذي فقد حياته أثناء احتجازه تعسفيا في اليمن".

وفاة أقارب لمحتجزين: في الخامس من يناير، توفيت والدة الناشطة سارة الفائق المعتقلة لدى الحوثيين بعد عجزها عن معرفة مصير ابنتها المعتقلة منذ يونيو 2024 في مدينة صنعاء، وأثار خبر وفاة والدة المعتقلة تعاطفاً كبيراً مصحوباً برفض حقوقي محلي واسع لما يقدم عليه الحوثيين بحق المعتقلات والمعتقلين لديها.

في 18 فبراير 2025 توفيت والدة الناشطة الحقوقية رباب المضواحي، الموظفة في المعهد الديمقراطي الأمريكي NDI والتي لا تزال مخفية قسراً في سجون جماعة الحوثي منذ أكثر من ثمانية أشهر.

وقالت مصادر حقوقية إن والدة المضواحي فارقت الحياة الثلاثاء، في العاصمة الأردنية عمان، حيث كانت تتلقى العلاج في العناية المركزة بعد تدهور حالتها الصحية بشكل مفاجئ.

وأشارت إلى أن وضعها الصحي بدأ في التراجع منذ اختطاف ابنتها في 31 مايو 2024، في حملة شملت عاملين في المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية.

وتأتي وفاة والدة المضواحي وسط استمرار الغموض حول مصير ابنتها، التي لم تكشف جماعة الحوثي عن مكان احتجازها أو وضعها الصحي، رغم مناشدات حقوقية محلية ودولية للإفراج عنها. حيث أفرجت الجماعة عن الناشطة رباب المضواحي لاحقا بعد عام من الاعتقال الشهر الماضي الموافق الخامس من مايو 2025.
  • دبلوماسية صامتة للإفراج عن بعض المحتجزين!
في العاشر من أبريل 2025 أفرجت الجماعة عن أكرم الأكحلي موظف السفارة الهولندية في اليمن بعد اعتقال دام لمدة عام. وكان وزير الخارجية الهولندي قد هنأ أكرم الأكحلي المفرج عنه من معتقلات الحوثي حيث قال:

أشعر بالارتياح للإفراج عن زميل يمني يعمل في سفارتنا باليمن، بعد احتجازه تعسفيًا لمدة 10 أشهر في صنعاء. ومنذ ذلك الحين، عملنا على تأمين إطلاق سراحه دون شروط من خلال الدبلوماسية الصامتة. نحن ممتنون بشدة لسلطنة عُمان على دورها الحيوي في عملية الإفراج. وأضاف، هو الآن في حالة جيدة بالنظر إلى الظروف التي مر بها. حيث تم استقباله في مسقط من قبل المسؤولين العمانيين وسفيري هولندا لدى اليمن وسلطنة عُمان. وختم منشوره، نركّز الآن على حالته الصحية وتعافيه.
  • التحليل القانوني
احتجاز العاملين الإنسانيين في سجون الحوثيين يشكّل انتهاكًا واضحًا وصارخًا للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. ويُحتمل أن يرقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، خاصة في حال ثبوت التعذيب أو الاحتجاز القسري أو استخدام القوة المفرطة. يتطلب الوضع تحركًا قانونيًا ودوليًا عاجلًا.

ووفقًا للقانون الدولي الإنساني، يُعدّ استهداف العاملين الإنسانيين وخاصة أولئك الذين يؤدون مهامهم بشكل محايد انتهاكًا جسيمًا يمكن أن يرقى إلى جريمة حرب. كما أن استمرار الاحتجاز بدون محاكمة عادلة ينتهك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ومن الناحية القانونية، يشكل هذا الاحتجاز خرقاً للقانون الدولي الإنساني، الذي ينص على حماية العاملين الإنسانيين ومنع تعرضهم للاعتقال التعسفي، كما يجب ضمان تواصلهم مع أسرهم ووصولهم إلى حقوقهم الأساسية. لكن الحوثيين يتبعون سياسة احتجاز أكثر تشدداً لأغراض سياسية. على سبيل المثال، اتهم جهاز الأمن الحوثي المعتقلين بالانخراط في شبكة تجسس، وهي تهمة غالباً ما تُستخدم لتبرير الاعتقال التعسفي دون أي أدلة ملموسة، مع اللجوء إلى بث اعترافات يُعتقد على نحو واسع أنها انتُزعت تحت الإكراه. وفي حال تمّت إدانة هؤلاء المحتجَزين عبر المحاكم الحوثية، فإن العقوبة التي تنتظرهم هي السجن لفترات طويلة أو الإعدام.

تتجاوز التداعيات حدود الأفراد المعتقلين لتؤثر بعمق على أسرهم، حيث يعاني ذووهم من قلق كبير وتهميش اجتماعي نتيجة غياب معيلهم دون وجود أي معلومات عن مكان احتجازهم أو وضعهم القانوني. إلى جانب ذلك، يؤدي احتجاز الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات غير الحكومية إلى توقف العمل الإنساني في اليمن، حيث يواجه نحو 18 مليون شخص حاجة ماسة للمساعدات والخدمات الإنسانية. منعت هذه الاعتقالات الموظفين من القيام بعملهم وأعاقت مشاريع إنسانية مهمة، ما أدى إلى تدهور الخدمات والإمدادات في المناطق الأكثر تضررًا. كما أن تلك الممارسات قد وضعت المزيد من القيود على إرسال الأمم والوكالات الدولية المزيد من الأموال والموظفين إلى مناطق الحوثيين، ومن المرجح أن يكون لذلك تداعيات جدية على الصعيد الإنساني والأمن الغذائي.
  • مصير المحتجزين!
يبقى مصير العاملين المعتقلين اختبارًا لمصداقية المجتمع الدولي وقدرته على حماية المبادئ الإنسانية. وفي ظل عجز الآليات التقليدية عن تحقيق انفراج، يُعدّ الضغط المنسق والدبلوماسية الهادفة وربما التهديد بفرض عقوبات أدوات ضرورية للضغط على الحوثيين للإفراج الفوري عن المعتقلين وإنهاء سياسة ترهيب القطاع الإنساني.