التنك ومؤنثه التنكة، لم يكونا مجرّد أوعية من الصفيح، بل نقطة تحوّل وشاهد على العصر. ظهر في الأربعينات وما بعدها وعاءً للسمن المهدرج وغاز الكيروسين، حتى صار علامة زمنية تؤرّخ لقيام مصفاة عدن، معها جاء "تنك الغاز" وبعدها "تنك السليط" الملحوم محليًا بعد أن كان يُستعمل لحفظ مواد أخرى.

مع مرور الوقت، تنوّعت مهام التنك؛ دخل عالم الكيل والمقاييس، وأقحمه البناؤون في قياس الزوايا والأركان في العمارة اليافعية، ناهيك عن أنه عزف اللحن، وحمل الماء، وأرّخ المواليد

قبل أن تُعرف المجالس العربية المزخرفة، كان التنك متكأً في مجالس القات، تسمع قعقعته من بعيد كلما غيّرت جلستك. ومع وصول السمن العدني - أو سمن عدن كما تنطقها الأمهات والجدات.

دخل التنك البيوت والتاريخ في أواخر الأربعينات كما أسلفت معًا، حتى صار شهادة ميلاد زمنية: فلان وُلد سنة التنك! وسنة التنك نفسها كانت كناية عن الجفاف والفقر، حين لا يتجاوز محصول المزارع من الحبوب "تنكًا" واحدًا. لا سلقة مبرومة مبروكة.

لم يعد التنك وعاءً فحسب، بل صار أداة قياس معروفة (تنك بأربع كيل)، وورد في الأمثال: رعنا أوشعنا بالتنك أي فقير معدم. ودخل قاموس السخرية: فلان تنك متنك.

أما في الأفراح، فتحوّل إلى طبلة بديلة، وما يزال اليهود اليمنيون في إسرائيل حتى اليوم يستخدمونه كآلة إيقاعية مع أغانيهم اليمنية.

والمفارقة الأجمل أن كلمة Tank في معظم لغات العالم تعني "الدبابة"، أداة للقوة والقهر.

ومن مهامه القديمة أيضًا حمل الماء على ظهور الحمير؛ وأتذكر وأنا صغير أنني كنت أذهب بحماري الصغير، وعلى جانبيه تنكتان من صفيح سمن "أبو بقرة" أو "أبو بنت" الهولندية المنشأ، لأجلب الماء لأمي — أطال الله عمرها — من ركب حطاط إلى بيتنا في قرن امقبيبة. المضحك والمحزن في آن بكون الجدات كن يجعلنه في سني أرذل عمره وسيلة لتجميع مخلفات البقر (الضفع) وتنظيف موقد النار من الرماد.

الصنعانيون وحدهم من رفعوا قيمته حين جعلوه مكيالا للبطاط والفرسك والتين الشوكي والعنب.

ظل التنك، بين القات والسمن والماء، وبين الكيل والطرب والسخرية، شاهدًا صفيحيًا على زمن مضى. لكنه أيضًا كان مكشوف العيوب؛ لا يجاري اليقطين (القرع) في حفظ السمن والعسل ولا يتحمل الصدمات إذ أن صدمة واحدة تجعله يتقيأ ما بجوفه لا بل وسريع الإفساد والتآكل، ينهشه الصدأ كما تنهش البكتيريا الجيف.

ورغم انحساره عن حياتنا اليومية، فإنه ما يزال حاضرًا في مقاعد القيادة والسياسة، في العربدة والمخجافة والخديعة والتفخيخ، ويزداد ضجيجًا كلما غابت روح القانون وهيبة الدولة… باختصار صار العرب اليوم مجرد ظاهرة صوتية (قربعة في تنك) وهكذا حال التنك بكل أبعاده واستخداماته ومسمياته وتآكله وفساده. وتبدلاته فمهما كان فهو تنك وبس.