> «الأيام» البيان:

يتربع النظام الإيراني على موقع مركزي ضمن الأذرع الإقليمية التي تؤثر بشكل فعال في مسارات النزاعات في الشرق الأوسط، ويبرز دعم إيران لجماعة الحوثي في اليمن كواحد من أهم مظاهر هذا النفوذ. يرتكز هذا الدعم على مزيج معقد من العوامل العسكرية، السياسية، والاقتصادية التي بدأ تطبيقها منذ أواخر الثمانينيات، وشهدت تسارعًا ملحوظًا بعد انهيار الدولة اليمنية المركزية، عقب سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في 2014.

تقدم إيران للحوثيين مساعدات واسعة تشمل تزويدهم بأسلحة متقدمة كالطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة، وتوفير خبراء عسكريين من الحرس الثوري للإشراف على العمليات القتالية، إلى جانب التدريب الاستخباراتي ودعم لوجستي متكامل. لا يقتصر الدعم الإيراني على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى تأمين موارد مالية تمكن الحوثيين من استدامة نفوذهم، خصوصاً في ظل الحصار الاقتصادي والعقوبات التي تفرضها قوى دولية ومحلية عديدة.

تكمن الدوافع الإيرانية في هذا التدخل ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى موازنة النفوذ السعودي في المنطقة، حيث يُنظر إلى الحوثيين كحليف استراتيجي قادر على الضغط على السعودية عبر تقويض استقرار اليمن وتهديد طرق التجارة البحرية الحيوية، خصوصًا مضيق باب المندب. وإلى جانب أبعاد الضغط العسكري، تعكس العلاقات بين طهران والحوثيين تبني طهران لها كحكومة بديلة معترف بها رسميًا في صنعاء، في محاولة لإضفاء شرعية سياسية على وجودها ودعم مشروعها الإقليمي.

على الصعيد العسكري، ثبت استخدام تكنولوجيا الصواريخ والطائرات بدون طيار المزودة من إيران في ضرب الأهداف الحيوية داخل السعودية، مما يرفع من مستوى التوتر الإقليمي ويعزز النزاع المستمر في اليمن. في الوقت نفسه، تقارير متعددة ذكرت عن تراجع محدود في تواجد المستشارين العسكريين الإيرانيين تجنبًا لتصعيد مباشر مع الولايات المتحدة، لكنه لا يُعد تراجعًا كاملاً.

إقليمياً ودولياً، تواجه سياسة إيران إدانة شديدة من الأمم المتحدة والدول الغربية، التي تُحمّل طهران المسؤولية عن استمرار النزاع بتزويد الحوثيين بالأسلحة والموارد. الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا تعد من أبرز الجهات التي فرضت عقوبات على إيران استجابة لهذا السلوك، كما شنّت الولايات المتحدة عمليات عسكرية استهدفت مواقع للحوثيين بزعم ارتباطهم المباشر بإيران.

على الصعيد الاقتصادي، ظهرت مؤخرًا تحركات معقدة في الجانب المالي، أبرزها عمليات ضرب عملة نقدية جديدة من قبل بنك صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين. هذه الخطوة جاءت لمواجهة الأزمة النقدية المتفاقمة، مع استغلال تفاوت القوة الاقتصادية بين البنك المركزي المعترف به في عدن وعمليات طباعة العملة غير المغطاة لتفادي انهيار السوق المحلية، والتي أصبحت تشكل جبهة جديدة للتنافس المالي والسياسي في اليمن، حيث تعكس هذه الأزمة تعدد أوجه السيطرة الإيرانية التي تتخطى القطاع العسكري لتصل إلى المجال الاقتصادي.

في الختام، يعتبر الدعم الإيراني لجماعة الحوثي مثالًا حيًا على تعقيدات المشهد اليمني والإقليمي، حيث تتشابك المصالح والتوازنات الاستراتيجية. يمثل هذا الدعم سلاحًا متعدد الأوجه تستخدمه طهران لتعميق نفوذها في منطقة بالغة الأهمية جيوسياسيًا، على حساب استقرار اليمن ومستقبل شعبه، ومع استمرار الضغوط الدولية وتطور موازين القوى ذات الصلة، يظل مستقبل هذا التحالف متأرجحًا بين التقلصات والتوسعات، مؤكدا أن الأزمة اليمنية ليست نزاعًا محليًا فقط، بل جزء لا يتجزأ من الصراعات الإقليمية والدولية الكبرى.