لم يسقط الاتحاد السوفيتي تحت نيران الأسلحة ولا أمام الصواريخ العابرة للقارات، بل سقط حين فتح الزعيم ميخائيل جورباتشوف فجأة باب ما سمّاه بـ العلنية (الجلانسوت)، فانتقل المجتمع من المركزية إلى حرية القول بشكل صادم. ومن خلال هذه النقلة غير المدروسة اهتزت ثقة السوفييت برموزهم وحزبهم.

هذا ما تنبه له الصينيون مبكرًا، وقد لخّص الرئيس الصيني شي جين بينغ الدرس حين قال: إن خطأ السوفييت كان في النيل من رموز الدولة وتضخيم أخطاء الحزب الشيوعي، حتى انكسرت الثقة بين الشعب وقيادته، فانهار الاتحاد السوفيتي وتفكك معه المعسكر الشرقي برمته.

اليوم، في الجنوب، نكاد نكرر ذات التجربة. فبدلاً من ممارسة النقد الواعي والمسؤول، ينصرف البعض إلى إلصاق كل شاردة وواردة بالمجلس الانتقالي وقياداته، صباح مساء، ليفتحوا الأبواب أمام الإعلام والسياسة المعادية لتلعب على الوتر ذاته: زعزعة الثقة وتفكيك الوعي الجمعي.

الانتقالي وقادته ليسوا ملائكة معصومين من الخطأ، لكن المرحلة تفرض أن نرتقي بالخطاب ونمنح الثقة لمن يقودها. ومع الأسف، يقفز البعض سريعًا ليتهم هذا الطرح بأنه "تطبيل". والحقيقة أن هناك فرقًا كبيرًا بين التطبيل الرخيص وبين الدفاع عن قناعات وطنية وأهداف مشروعة. أما تحويل النقد إلى شخصنة رخيصة وفجّة فهو مسار يطعن المشروع لا الأشخاص.

الرموز ليست مجرد أفراد عابرين، بل هي وجه الجنوب وذاكرة تاريخه. النيل منهم ليس اختلافًا سياسيًا فحسب، بل ضربة مباشرة للمشروع الوطني. وحين تتشوه صورة الرموز، يتشوه معها مستقبل الدولة ويترك الشعب في فراغ قيادي خطير. ولمن لا يتعلم من التاريخ: أليست مقدمات غزو 1994 قد بدأت بهز ثقة الجنوبيين بقياداتهم، عبر الشائعات والتكفير وفتاوي الإخوان المسلمين والأفغان العرب والانتقام من كل ما له علاقة بالدولة الجنوبية التي حققت إنجازات لا يستهان بها.

النقد الموضوعي ضرورة، أما تضخيم الأخطاء وتحويل الرموز إلى هدف يومي للتجريح فهو خطأ قاتل. فالتاريخ يقول بوضوح: من يطيح برموزه، يطيح بدولته، ومن يضخّم الأخطاء، يمنح خصومه أعظم هدية مجانية.

إن الحفاظ على الرافعة السياسية المتمثلة في المجلس الانتقالي ورموزه في هذه المرحلة الحساسة ليس عاطفة ولا تقديسًا، بل حماية لمشروع وطني يتطلع شعب الجنوب لاستعادته عن طريق رافعة سياسية وقيادة موثوق بها.