> أسامة عفيف:

انسحقت الطبقة الوسطى في اليمن ولم يعد لها وجود، بين قلة فاحشة الثراء من جماعة "الحوثي"، ومجتمع مطحون يتجرع مرارة الفقر المدقع، في بلد يشهد واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية حول العالم.

ومنذ انقلاب جماعة "الحوثي" على الدولة في سبتمبر 2014، تبدل المشهد الاجتماعي والاقتصادي في اليمن بشكل جذري، حتى باتت غالبية المجتمع اليمني مسحوقة، وتكافح من أجل البقاء.

تقرير حديث للبنك الدولي، كشف عن صورة قاتمة في الاقتصاد اليمني، حيث انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي بنسبة 58 في المئة منذ 2015، في وقت تجاوز فيه التضخم في بعض المناطق 30 في المئة خلال العام 2024.

لا شيء يرعب التجار ورؤوس الأموال في مناطق سيطرة جماعة "الحوثي" مثل المناسبات الدينية التي تحوّلت إلى كابوس سنوي، بعدما جعلتها الجماعة وسيلة للجبايات والابتزاز تحت تهديد السلاح.

وأضح التقرير أن تشرذم المؤسسات والانقسام الاقتصادي العميق بين مناطق الحكومة الشرعية وجماعة "الحوثي" فاقم من تآكل القدرة الشرائية لدى المواطن، ودفع ملايين اليمنيين نحو خيارات قاسية، بينها التخلي عن أبسط الاحتياجات الأساسية.

ويعتبر هذا التدهور سياسة ممنهجة اتبعتها جماعة "الحوثي"، حيث أوقفت الجماعة رواتب الموظفين منذ سنوات، وفرضت جبايات باهظة على التجار والمواطنين.

سياسات جماعة “الحوثي” التدميرية تقوم على نهب أموال الناس من خلال فرض الضرائب والزكاة و”المجهود الحربي” وفي المناسبات الطائفية المختلفة، لتمويل حربها وتعزيز سلطنها، تاركة وراءها ملايين اليمنيين يغرقون في جحيم الفقر.

انسحقت الطبقة الوسطى في اليمن ولم يعد لها وجود، بين قلة فاحشة الثراء من جماعة "الحوثي"، ومجتمع مطحون يتجرع مرارة الفقر المدقع، في بلد يشهد واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية حول العالم.

وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب الصحفي صلاح الواسعي في تصريح خاص لـ”الحل نت"، أن من أخطر ما فعلته جماعة "الحوثي" في اليمن خلال السنوات الأخيرة هو إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية بطريقة قسرية، أدت إلى تقليص الطبقة الوسطى.

ويوضح الكاتب اليمني أن هناك طبقة محدودة من المشرفين "الحوثيين"، يتمتعون بامتيازات هائلة وثروات فاحشة، وفي المقابل، أغلبية ساحقة من المواطنين الذين تدهورت أوضاعهم إلى مستويات غير مسبوقة من الفقر والعوز.

ويرى الواسعي أن هذا التحول الخطير في اليمن، بات يهدد التوازن الاجتماعي ويقوض فرص الاستقرار الاقتصادي في المستقبل.
  • ازدواجية الأسعار في اقتصاد الحرب
من جانب آخر، يرى الكاتب مجاهد القريضي أن السياسات النقدية لجماعة "الحوثي" عمّقت المأساة، حيث أدى "انقسام القطاع المالي إلى خلق نظامي صرف مختلفين، وأدى إلى ازدواجية الأسعار وهوامش ربح هائلة لمستفيدي اقتصاد الحرب".

لم تعد صعدة، معقل جماعة "الحوثي" شمال اليمن، مجرد مدينة يسيطر عليها زعيم الميليشيا عبد الملك "الحوثي" بقبضته الحديدية، بل تحولت إلى ساحة صراع نفوذ يتنامى بين أقطاب "الزيدية" من جهة، وجماعة "الحوثي" المدعومة من إيران من جهة أخرى.

ويشير القريضي في حديث خاص لـ”الحل نت” إلى أن تحويلات المغتربين وحدها تجاوزت 4 مليارات دولار في 2023، تآكلت قيمتها بسبب تلاعب جماعة "الحوثي" بأسعار الصرف، بالوقت الذي "نرى في صنعاء وصعدة حركة عمرانية هائلة تكشف حجم الثراء الذي راكمته الجماعة على حساب الشعب".

ويرى مراقبون أن اختفاء الطبقة الوسطى يمثل انهيارًا كبيرًا لصمام الأمان الاجتماعي الذي كان يضمن قدرًا من التوازن في البلاد، حيث وجد اليمنيون أنفسهم فجأة بلا رواتب ولا قدرة على مواجهة الغلاء ومتطلبات العيش.

وبين واقع الشعب المسحوق تحت خط الفقر، والنخبة "الحوثية" التي تستأثر بكل شيء، بات الحديث عن التعافي الاقتصادي والسلم الاجتماعي مجرد وهم لا أقل ولا أكثر، ما لم تنكسر قبضة "الحوثي" على موارد البلاد وثرواتها.

"الحل نت"