> عدن «الأيام» جوشوا يانغو بريان بيرلمان*:

"خبراء الصحة العامة يقولون إن اليمن يواجه أحد أسوأ تفشيات الكوليرا في العالم وسط أضرار طالت المرافق الطبية ومصادر المياه والبنية التحتية للنقل". يواجه اليمن أزمة إنسانية متفاقمة، وبالأخص تفشيًا واسعًا للكوليرا، في أعقاب الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية في الربيع، إضافة إلى تقليص المساعدات من إدارة ترامب والعقوبات الاقتصادية الأميركية القاسية، وفقًا لأطباء وعاملين إنسانيين عملوا في البلاد.

قال أطباء وخبراء صحة، إن استهداف الموانئ والبنية التحتية المدنية مثل العيادات الصحية قطع شرايين الإمدادات الخارجية، فيما أدى تقليص المساعدات والعقوبات إلى إنهاك اقتصاد اليمن، الذي يعد أصلًا من أفقر دول العالم.

البنية الصحية الهشة في اليمن لطالما عانت من السيطرة على تفشيات الكوليرا الصيفية السنوية. ومع توقف المساعدات الخارجية عن الوصول إلى المناطق الشاسعة التي يسيطر عليها الحوثيون الموالون لإيران في الربيع، تفاقم الوضع أكثر.

سجل اليمن أكثر من 50 ألف حالة مشتبه بها بالكوليرا و149 وفاة مرتبطة بالمرض بين يناير ومنتصف يوليو، بحسب نهى محمود، نائبة رئيس مكتب منظمة الصحة العالمية في اليمن، التي أكدت أن الوباء طال 96 % من البلاد ويظل "واحدًا من أسوأ التفشيات في العالم".

قالت الطبيبة "أم توكريم"، طبيبة طوارئ في العاصمة صنعاء، إن الحالات بدأت بالارتفاع قبل ثلاثة أشهر تقريبًا، وإن حوالي 30 % من مرضاها يأتون طلبًا للعلاج من أعراض الكوليرا. وأضافت: "هذه المرة الأولى التي نواجه فيها أزمة بهذا الحجم. في السابق كنا نتمكن من التكيف، لكن الآن الحالات في كل مكان". طلبت نشر اسمها الأول فقط خوفًا من انتقام الحوثيين الذين يسيطرون على صنعاء.

بعد اندلاع حرب إسرائيل في غزة في أكتوبر 2023، أطلق الحوثيون هجمات على الأراضي الإسرائيلية وعلى سفن تجارية في البحر الأحمر دعمًا للفلسطينيين. هذه الهجمات في الممر المائي، الذي تمر عبره نحو 30 % من تجارة الحاويات العالمية سنويًا، أدت إلى ارتفاع هائل في تكاليف الشحن وتأخيرات كبيرة.

في يناير 2024، نفذت القوات الأميركية والبريطانية ضربات ضد الحوثيين ردًا على تلك الهجمات. وأوقف الرئيس جو بايدن العمليات في يناير 2025 خلال هدنة قصيرة في غزة. لكن إدارة ترامب استأنفت الضربات في مارس، ووسعت نطاق الأهداف، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 200 مدني وفقًا لمنظمة "إير وورز" البريطانية.

انتهت العملية، التي سُميت "رايدر العنيف"، في مايو بعد إعلان ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين مقابل توقفهم عن مهاجمة السفن الأميركية. وقال المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية الكابتن تيم هوكينز: "القيادة المركزية تأخذ جميع تقارير الأضرار المدنية على محمل الجد، والتقييم ما زال جاريًا."

في أواخر يوليو، أعلن الحوثيون أنهم سيواصلون استهداف السفن المتعاملة مع الموانئ الإسرائيلية بغض النظر عن جنسياتها، كما واصلوا إطلاق الصواريخ على إسرائيل، ما دفع الأخيرة إلى شن ضربات، بينها ضربة الأسبوع الماضي التي قتلت رئيس وزراء الحوثيين أحمد الرحوي وعددًا من كبار المسؤولين.
  • الأثر على النظام الصحي
الغارات، التي استهدفت أيضًا مرافق للنقل والصحة، أنهكت نظامًا صحيًا منهكًا أصلًا بعد عقد من الحرب. في بعض الحالات، استهدفت القوات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية الموانئ والمطارات باعتبارها "أهدافًا عسكرية مشروعة".

منذ مايو 2024، قصفت القوات الأميركية والإسرائيلية ميناءي رأس عيسى والحديدة مرارًا، بينما كان ميناء الحديدة وحده يعالج 80 % من المساعدات إلى شمال اليمن الخاضع للحوثيين.

قالت ماريسا ليتستر، منسقة طبية لدى "أطباء بلا حدود"، إنها بدأت تدق ناقوس الخطر في نوفمبر بشأن احتمال تعذر وصول شحنات الإمدادات البحرية في يناير وفبراير. وأكدت أن شحنة يناير وصلت قبل قصف الميناءين مباشرة، لكن منذ ذلك الحين لم تصل أي شحنات.

قالت أم توكريم إن المستشفى الحكومي الكبير الذي تعمل فيه في صنعاء "يكاد يخلو" من الأدوية الأساسية والمعدات، حتى المحلول الملحي العادي غير متوفر. وأضافت: "نطلب من المرضى شراءه بأنفسهم".
  • المياه والصحة
الغارات دمّرت أيضًا بنية المياه. ففي الأول من أبريل، أصابت ضربة أميركية محطة لإدارة المياه في الحديدة وخزان مياه في قرية مجاورة، ما أدى إلى حرمان 50 ألف شخص من المياه، وفق الإعلام الحوثي.

قالت أم توكريم: "تلوث المياه يزيد من خطر الكوليرا"، فيما أدت ضربات أخرى إلى تدمير عيادة ريفية تموّلها منظمة "أكشن أغينست هانغر". نصبت المنظمة خيمة بديلة لخدمة 14 ألف شخص، لكن عملها تضرر بشدة. وأوضح مديرها في اليمن، دانيال نيابيرا، أن أقل من 50% من المرافق الصحية تعمل حاليًا.
  • اقتصاد منهك
إلى جانب الغارات، أدى مزيج من العقوبات وتقليص المساعدات الأميركية إلى مزيد من الضرر للاقتصاد اليمني. يعتمد أكثر من 24 مليون يمني (80 % من السكان) على المساعدات، وكان نصفها تقريبًا يأتي من الولايات المتحدة.

ألغت إدارة بايدن تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية لتسهيل وصول المساعدات، لكن ترامب أعاد التصنيف في يناير، ما أجبر المنظمات الأميركية على وقف عملياتها خشية مخالفة العقوبات.

أكثر من ثلث العيادات الـ767 في اليمن أغلقت، ما جعل علاج الكوليرا شبه مستحيل. وأوضحت أم توكريم أن العلاج بسيط (تعويض السوائل)، لكن كثيرًا من المرضى لا يستطيعون تحمّل تكاليف الذهاب إلى المستشفى إلا بعد فوات الأوان.
  • خطر تكرار وباء سابق
بين 2016 و2022 شهد اليمن أسوأ تفشٍ للكوليرا في العصر الحديث مع 2.5 مليون حالة مشتبه بها. وأظهرت دراسة نُشرت في لانست 2023 أن غارات التحالف السعودي كانت مرتبطة بارتفاع الإصابات.

الآن يخشى خبراء الصحة العامة تكرار ذلك، بل في ظروف أسوأ. قالت الباحثة مايا تارناس: "الأوضاع الآن مماثلة أو أسوأ مما كانت بين 2016 و2019."

وأضافت امرأة من صنعاء: "الكوليرا لم تختفِ تمامًا، لكنها عادت بقوة قبل 4 أو 5 أشهر. والأسوأ أن الأسعار ترتفع، الاقتصاد ينهار، التعليم صعب، والأمان مفقود… لا نعرف إن كنا سنعيش حتى الغد".

* عن الواشنطن بوست