> عدن «الأيام» العرب:

في قلب الأزمة اليمنية الممتدة منذ أكثر من عقد، يظل النفط والغاز العامل الأكثر حساسية في رسم مسار الحرب وتحديد مستقبلها. فمنذ ثمانينات القرن الماضي شكّلت موارد الطاقة العمود الفقري لاقتصاد البلاد ومصدر الإيرادات الرئيسي للدولة، إذ مثّلت ما بين 70 و80 في المئة من دخل الحكومة.

ومع ذلك لم تُترجم هذه الثروة إلى تحسّن ملموس في حياة المواطنين، إذ ظل توزيعها غير عادل، واستأثرت بها شبكات السلطة والنخب المرتبطة بها، بينما حُرمت المحافظات المنتجة مثل حضرموت وشبوة ومأرب من نصيبها المباشر.

وجعل تراكم المظالم من الهيدروكربونات سلاحًا سياسيًا واجتماعيًا، حيث درجت المجتمعات المحلية والفصائل المسلحة على استهداف خطوط الأنابيب وتعطيل الإنتاج للضغط على السلطات المركزية.

لكن مع اندلاع الحرب عام 2014 وسيطرة الحوثيين على صنعاء، تضاعفت أهمية الطاقة ليس فقط كمورد مالي، بل كساحة صراع بحد ذاتها. فقد انتقلت الحكومة المعترف بها دوليا إلى عدن، وخسرت معظم مؤسساتها المركزية، وباتت تعتمد على تحالف هش يضم فصائل متباينة الولاءات.

ومع هذا الضعف البنيوي تراجعت قدرة الشرعية على إدارة موارد النفط والغاز بشكل موحد، وظهرت ترتيبات غير رسمية تمنح سلطات محلية أو جماعات مسلحة نصيبًا من العائدات أو إتاوات على حركة الوقود، في مقابل السماح باستمرار التصدير.

وهكذا، لم يعد النفط موردا وطنيا بيد حكومة واحدة، بل تحوّل إلى كعكة يتنازعها اللاعبون المختلفون كلٌ حسب موقعه وقوته.

وجاءت نقطة التحول الحاسمة عام 2022، حين نجح الحوثيون في فرض حصار فعلي على الموانئ النفطية الخاضعة للحكومة عبر تهديد ناقلات النفط الدولية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

ورغم أن أغلب الضربات لم تصب أهدافها مباشرة، إلا أن مجرد التهديد كان كافيا لوقف الصادرات بشكل كامل، وهو ما أدى إلى انهيار مالي في مناطق الشرعية.

وفقدت الحكومة أهم مصادر دخلها بالعملة الصعبة، وتراجعت قدرتها على دفع الرواتب، وانهارت قيمة الريال، لتغرق في سلسلة من الأزمات المتلاحقة التي انعكست على حياة المواطنين بشكل مباشر.

ولم تكن أحداث حضرموت في صيف 2025 سوى صورة مكثفة لهذه الأزمة. فقد خرج الآلاف في احتجاجات واسعة ضد انقطاع الكهرباء وتدهور الأوضاع المعيشية، بعد أن تعطلت إمدادات الوقود إلى محطات الطاقة بسبب ديون غير مسددة للحكومة المحلية.

وسرعان ما تطورت هذه الاحتجاجات إلى قطع طرق رئيسية ومنع شاحنات الوقود من المرور، في رسالة واضحة تفيد بأن الشارع لم يعد يحتمل إدارة فاشلة لمورد يفترض أن يكون في متناول الناس.

ورغم أن الاحتجاجات خمدت بعد أسابيع تحت ضغط القمع وتحسن جزئي في الأوضاع، فإنها كشفت هشاشة السلطة المركزية، وعجزها عن ضمان التدفقات الحيوية داخل مناطقها.

والمفارقة هنا أن الحكومة المعترف بها دوليًا، رغم سيطرتها الشكلية على معظم حقول النفط والغاز في البلاد، لم تستطع تحويل هذه السيطرة إلى عنصر قوة. فالمجلس الانتقالي الجنوبي يرى أن موارد شبوة وحضرموت “حق جنوبي”، ويحاول بين حين وآخر بسط نفوذه المباشر عليها.

وفي المقابل يتمسك أعضاء حزب الإصلاح والقوى القبلية بمطلب وحدة اليمن، ويعتبرون أي تنازل عن الموارد تفريطا في السيادة. وتجعل هذه التجاذبات من كل برميل نفط أو متر مكعب من الغاز موضوع مساومة ومصدر توتر، وتدفع الفصائل المحلية إلى استخدام سلاح الإغلاق والتعطيل لتحقيق مكاسبها.

وإلى جانب ذلك لعبت الهشاشة المؤسسية دورا محوريا في تحويل الطاقة إلى نقطة ضعف. فالحكومة لا تملك جهازا أمنيا أو عسكريا موحدا، بل تعتمد على خليط من التشكيلات العسكرية المتنافسة، كثيراً ما تنخرط في صراعات داخلية.

وجعل هذا التشتت من الصعب فرض نظام موحد لإدارة العائدات أو حماية البنية التحتية. وبدلا من أن تكون موارد الطاقة أداة لإعادة بناء الدولة، تحولت إلى وقود إضافي لتأجيج الانقسامات.

أما الحوثيون فقد أثبتوا براعة أكبر في استثمار هذا الملف. فبعد فشلهم في السيطرة على مأرب الغنية بالنفط، أدركوا أن تعطيل الصادرات أكثر جدوى من السيطرة على الحقول. وبإغلاقهم هذا الشريان الحيوي أضعفوا خصمهم إلى درجة أصبح فيها منشغلاً بإدارة الأزمات اليومية، بدل التفكير في شن هجوم مضاد. ولم تفلح الضربات الجوية الإسرائيلية أو الأميركية في إضعاف الحركة، بل زادت من خطابها التعبوي باعتبارها “مدافعة عن السيادة” ضد العدوان الخارجي.

مستقبل الصراع اليمني، وما إذا كان سينزلق إلى المزيد من الفوضى أو يتجه نحو تسوية مستدامة، يتوقف إلى حد بعيد على قدرة الحكومة على تحويل موارد الطاقة من نقطة ضعف إلى ركيزة قوة

إن استشراف مستقبل الصراع اليمني يضعنا أمام حقيقة أساسية: لا يمكن للحكومة أن تكون بديلًا مقنعًا عن الحوثيين أو قوة موازنة لهم ما لم تستطع استعادة قدرتها على تصدير النفط وتوظيف عائداته بطريقة عادلة وشفافة. فالمواطنون في المحافظات المنتجة لن يقبلوا بعد اليوم بأن تُنهب مواردهم لصالح نخب فاسدة في صنعاء أو عدن، والمجتمع الدولي لن يجد في حكومة عاجزة عن دفع الرواتب أو توفير الكهرباء شريكا موثوقا.

ويتطلب الطريق إلى ذلك أولًا تسوية سياسية داخل معسكر الشرعية تدمج التشكيلات المسلحة المختلفة تحت قيادة موحدة، وتلغي الإتاوات والجبايات المفروضة على خطوط الإمداد.

كما يتطلب ضغطا دوليا وإقليميا لإيجاد صيغة ترفع الحصار الحوثي المفروض على الموانئ، سواء عبر اتفاق يضمن تقاسم العائدات بشكل عادل، أو عبر خطة دفاعية تردع الهجمات على الناقلات.

وفي كل الأحوال، فإن نجاح أي مقاربة مرتبط بوجود آليات رقابة ومؤسسات شفافة تمنع تكرار سيناريو الفساد ونهب العائدات الذي عاشه اليمن لعقود.

وتثبت تجربة اليمن خلال العقد الماضي أن الحلول العسكرية وحدها غير كافية، بل غالبًا ما تكون مضللة. فالقوة الجوية لإسرائيل أو حتى للولايات المتحدة لم تغيّر موازين القوى على الأرض، بينما أظهرت لحظات نادرة من التماسك داخل معسكر الشرعية -كما في معارك الحديدة عام 2018 أو مأرب عام 2022- أن الحوثيين يمكن ردعهم عندما يواجهون خصمًا موحدًا يستند إلى موارد مستقرة. والموارد هنا تعني بالدرجة الأولى النفط والغاز، شريطة أن تُدار بما يلبي تطلعات اليمنيين لا أن تتحول مجددًا إلى غنيمة للنخب.

ولذلك، فإن مستقبل الصراع اليمني، وما إذا كان سينزلق إلى المزيد من الفوضى أو يتجه نحو تسوية مستدامة، يتوقف إلى حد بعيد على قدرة الحكومة على تحويل موارد الطاقة من نقطة ضعف إلى ركيزة قوة.

وهذا لن يتحقق إلا عبر إعادة انسياب النفط إلى الأسواق الدولية، وضمان توزيع عائداته بالعدل بين المحافظات المنتجة وسائر البلاد، وإرساء مؤسسات قادرة على إدارة هذا الملف بعيدًا عن المحاصصة والفساد. ودون ذلك ستبقى الطاقة وقودا للاحتجاجات الداخلية وساحة صراع بين الفصائل، بدل أن تكون مدخلا لإعادة بناء الدولة وإنهاء الحرب.