في صباح جمعة دافئ، استيقظت كعادتي على ضوء الشمس الذي يتسلل من خلف البردة. كان كل شيء مألوفًا: الساعة تشير إلى الثامنة والنصف، أمي تنشط في المطبخ، ورائحة الخبز الطاوة والشاي تغمر البيت، وأبي يتفرج على نشرة الأخبار في التلفاز. مشيت إلى البلكونة أستقبل الصباح، وأتأمل جبل شمسان، وملعب الحبيشي، وملامح كريتر التي كبرت فيها. ذلك اليوم بدا عاديًا، لكنه لم يكن كذلك.

خرجت لشراء بعض الحاجيات من السوق، لكن في قلبي رغبة في التلوية، في استعادة المدينة بنظرات العاشق المتأمل. دعوت صديقي هائل، ومضينا في جولة بين الحارات القديمة: من مسجد البهرة، إلى مسجد العيدروس، فكنيسة سانت جوزيف، فالمعبد اليهودي، فالمعبد الهندوسي. كنت أرى التعايش لا كفكرة، بل كتنفس يومي يعيشه أهل عدن منذ عقود.

وقفت مع هائل أمام المعبد الهندوسي وقلت له بصدق:"تصدق؟ عدن كانت وما زالت درس حي في التعايش. أنا بهائي، وأنت صوفي، وغيرنا كثير… ومع ذلك، عشنا ونشأنا في انسجام. مدينتنا ما كانت تسأل عن مذهبك أو دينك قبل أن تفتح لك قلبها" .

ضحك، وقال لي:"صدقني… هذا هو سر عدن الحقيقي".

جلسنا بعدها في مقهى كينيا نحتسي الشاي الملبن مع لقيمات من الخمير ونستعيد الذكريات. وبينما كنت أغرق في دفء اللحظة، حدث شيء غريب… صوتٌ يناديني: "نائللللللل...".

فتحت عيني على سريري، كانت أمي توقظني. نفس التوقيت، نفس رائحة الشاي، لكن شيئًا ما كان ناقصًا. خرجت إلى البلكونة... لم يكن المنظر كما شاهدته. الكنيسة مهدّمة، المعبد اليهودي اختفى، البهجة في الوجوه خفتت، والنظرات التي كانت ترحب أصبحت تفحص وتخيف. تذكّرت فجأة أن أبي توفي منذ سنوات. أدركت أن ما عشته لم يكن سوى حلم.

خرجت في نزهة لأتأكد: بعض المعالم اندثرت، وبعض الأرواح تغيرت. سألني أحدهم من أكون، فقلت بتردد: "أنا نائل، أنا بهائي… لكني ابن عدن، وأريد أن أساعد في بنائها". نظر إليّ بصمت، ثم مضى. لم أيأس. سألت آخر، ثم ثالث، حتى وجدت من قال لي: "كيف نبدأ؟".

قلت له:"نبدأ بأنفسنا. التعايش مش رفاهية، هو شرط للبقاء. التنوع مش تهديد، هو كنز. ما في مدينة تتطور إذا كل مكوناتها مش حاسّة بالأمان والانتماء".

عدن حلم… لكنّها تستحق أن تكون واقعًا حيًا، لا مجرد ذكرى في منامات أبناءها. لن تُبنى بالحنين وحده، بل بإرادة نعيد بها ترميم قيمها، كما نعيد بناء بيوتها.