في الوقت الذي نتابع فيه أخبار زيارات رئيس الدولة ونوابه إلى الخارج، ولقاءاتهم الرسمية مع قادة العالم والوطن العربي وما يقوم به وزراء الحكومة وحكام المحافظات من أنشطة وتصريحات وافتتاح مشاريع ووضع أساس لمشاريع أخرى وزيارات عمل متواصلة ما بين المحافظات واستقبالات يخيل إلينا أن مؤسسات الدولة تسير بانتظام على ما يرام وأن عجلة التنمية تتحرك بوتيرة متسارعة.

لكن الواقع الملموس يكشف مفارقة مؤلمة؛ فالموظفون في أجهزة الدولة، مدنيين وعسكريين، ما زالوا يعانون من عدم انتظام بل انقطاع مرتباتهم الشهرية، قوت أولادهم ومعيشة أسرهم. ثلاثـة أشهر مضت وهم في انتظار صرف مستحقاتهم دون جدوى، لتتراكم المعاناة ويزداد القلق على حياة أسر لا تملك سوى هذا الراتب الذي بالكاد يغطي أساسيات العيش.

وفي حين نسمع أنها تصرف نفقات ضخمة على تحركات ولقاءات بالمسؤولين وزيارات داخلية وخارجية، ما زال الموظف العادي، الذي يمثل أساس تشغيل المكاتب الحكومية والمؤسسات العسكرية، يعيش حالة عجز ومرارة بسبب غياب أبسط الحقوق عدم. انتظام راتب شهري منتظم.

إن استمرار هذا التناقض يضع علامات استفهام كبيرة أمام الرأي العام كيف يمكن الحديث عن إنجازات ومشاريع بينما من يقوم بمتابعها وبتنفيذها لم يتسلم مستحقاته أي مرتبه الشهري وما يسد رمق أطفاله.

إن التنمية الحقيقية تبدأ من إنصاف الموظف وضمان أبسط حقوقه المعيشية. أما الإكثار من الأخبار من الوكالات والصور الإعلامية والافتتاحات الشكلية فلن يصنع دولة قوية، بل دولة مثقلة بالوعود والشعارات.

لقد آن الأوان أن تتحمل القيادة السياسية والحكومات المحلية مسؤوليتها الكاملة تجاه موظفيها وجيشها ورجال امنها وأن تعطى الأولوية لصرف المرتبات بانتظام، قبل التخطيط في مشاريع جديدة فهي ليست منة ولا ترفًا، بل حق مشروع وضمانة لاستمرار مؤسسات الدولة بانتظام.