> «الأيام» العرب:

أعلنت منظمة الأمم المتحدة، الأحد، عن قيام جماعة الحوثي المسيطرة على العاصمة اليمنية صنعاء ومناطق شاسعة من اليمن باحتجاز عدد آخر من موظفيها، وذلك في مؤشر على التباس العلاقة بين الطرفين، حيث يبدو أن الجماعة الموالية لإيران باتت تستسهل الضغط على المنظمة والتصعيد ضدّها في مقابل ما تظهره الأمم المتحدة من تساهل ومرونة إزاءها فضلا عما تبذله لها من مساعدات تسهل عليها إدارة مناطقها والنهوض بأعباء سكانها، وما تسديه لها من خدمات سياسية تبقي عليها طرفا معترفا به ضمنيا في المعادلة اليمنية، لاسيما في محاولات صنع السلام في اليمن.

وقال جان علم المتحدث باسم منسق الأمم المتحدة المقيم في اليمن إنّ الحوثيين "يحتجزون خمسة موظفين محليين وخمسة عشر موظفا دوليا داخل مجمع الأمم المتحدة" الذي اقتحمته الجماعة في وقت سابق.

وكان مسلحون حوثيون قد اقتحموا السبت مبنى للأمم المتحدة بحسب عَلَمْ الذي قال إنّ الموظفين الذين كانوا في المبنى جميعهم بخير وتمكّنوا من الاتصال بعائلاتهم.

وليست عملية الاقتحام هذه هي الأولى من نوعها حيث سبق للجماعة أن اقتحمت مكاتب المنظمة الأممية بصنعاء آخر أغسطس الماضي واحتجزت أحد عشر موظفا كانوا موجودين داخله.

وقال مسؤول حوثي كبير لوكالة فرانس برس إنّ جماعته تشتبه في أنّ الموظفين الأمميين كانوا يتجسّسون لصالح الولايات المتحدة، وهي تهمة لم تستطع الجماعة إثباتها رغم تكرار عمليات الاعتقال والاحتجاز التي تطال أيضا موظفي منظمات أخرى عاملة باليمن في مساعدة السكان وإسداء بعض الخدمات الأساسية لهم.

وفي الأشهر الأخيرة أوقف العشرات من موظفي الأمم المتحدة في مناطق يسيطر عليها الحوثيون.

وقال الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إنّ هناك ثلاثة وخمسين موظفا أمميا محتجزون لدى الحوثيين، مضيفا "سنواصل الدعوة إلى إنهاء احتجازهم التعسفي". وأشار إلى أنّ بعضهم لم يُسمع عنهم منذ سنوات.

والخميس اتهم زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي، في خطاب متلفز، منظمات تابعة للأمم المتحدة، منها برنامج الأغذية العالمي واليونيسف، بالمشاركة في "الدور التجسسي العدواني".

وجاء ذلك في غمرة الحرج الكبير الذي تشعر به الجماعة بعد إعلانها عن مقتل القائد العسكري الكبير في صفوفها، رئيس أركانها محمد عبدالكريم الغماري في غارة نفذتها إسرائيل على صنعاء في وقت سابق.

وتبدو الأمم المتحدة باعتبارها طرفا مستضعفا من قبل الحوثيين شماعة مناسبة لتعليق الفشل الاستخباراتي والأمني الذي أدى إلى خسارتها قيادات عسكرية وسياسية وازنة أهمها رئيس حكومتها أحمد الرهوي الذي قتل أيضا في غارة إسرائيلية.

وقال زعيم الجماعة إن بعض موظفي الأمم المتحدة أدوا دورًا "في الاستهداف الإسرائيلي لاجتماع الحكومة، واستهداف رئيس الحكومة ورفاقه".

ووصف دوجاريك هذه الاتهامات بأنها “خطيرة وغير مقبولة"، مشيرا إلى أنّها "تعرّض سلامة موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني للخطر، وتقوّض عمليات الإغاثة الحيوية".

وفي أواخر شهر أغسطس 2025 قتلت ضربة نفّذتها الدولة العبرية على صنعاء رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي إلى جانب عدد من الوزراء والمسؤولين، خلال اجتماع لهم.

والخميس أعلن الحوثيون مقتل الغماري رئيس أركان قواتهم في غارة إسرائيلية، فيما أكّد الجيش الإسرائيلي لاحقًا مقتله عقب الضربة التي نفّذها طيرانه في أواخر أغسطس.

وتجمع بين الحوثيين والأمم المتحدة علاقة ملتبسة حيث تجني الجماعة فوائد سياسية وحتى مادية مؤكّدة من حضور المنظمة وأنشطتها في اليمن ممثلة خصوصا ببعثتها إلى البلد بقيادة الدبلوماسي السويدي هانس جروندبرج، لكنها تقابل ذلك باتهامات وضغوط مستمرة عليها تصل إلى حدّ اعتقال موظفيها.

وأتاح حضور الأمم المتحدة في اليمن وعملها المتواصل طيلة سنوات الصراع بين الحوثيين والسلطة الشرعية اليمنية على خفض التوتر بينهما وعقد تفاهمات جزئية بشأن مسائل إنسانية وتبادل للأسرى جنبا إلى جنب مع محاولات إطلاق مسار سلمي أشمل، لجماعة الحوثي أن تحافظ على شبه "اعتراف" دولي بها كطرف محاور وشريك محتمل في السلام.

وكان من أكثر التفاهمات التي شاركت الأمم المتحدة قوى إقليمية ودولية في إنجازها، إفادةً للحوثيين، اتفاق ستوكهولم الذي أبرم سنة 2018 وأوقفت بموجبه حملة عسكرية كبيرة من قبل القوات التابعة للشرعية اليمنية مدعومة بالتحالف العربي كان من المرجّح أن تؤدي إلى انتزاع مناطق استراتيجية بغرب اليمن، من ضمنها مدينة الحديدة بمينائها الحيوي المطل على البحر الأحمر، من أيدي الحوثيين.

ولا يخلو الدور الأممي في اليمن من فوائد مادية وعملية ملموسة على أرض الواقع لسلطة الحوثيين، حيث تشارك الهيئات التابعة للمنظمة في تقديم مساعدات وإسداء خدمات أساسية لأعداد من سكان المناطق الخاضعة بحكم الأمر الواقع لتلك السلطة العاجزة عن الإيفاء بمتطلبات جميع السكان وتوفير احتياجاتهم.

وكما لا تنجح الأمم المتحدة في تغيير موقف الحوثيين منها وإنهاء اعتداءاتها على موظفيها، فإنها لا تنال في المقابل رضا السلطة الشرعية اليمنية دائمة الانتقاد للمنظمة والتذمر مما تعتبره خدمات مجانية تسديها للجماعة الحوثية وتساهم من خلالها في إسنادها وتقوية موقفها.