> "الأيام" نيوزيمن:
في زمنٍ طغت فيه الحرب على أحلام اليمنيين، وفي مناطق تُعدّ من أكثرها تضرّرًا جراء الصراع، بدأت مدينة المخا ومناطق الساحل الغربي تشهد ما يمكن وصفه بـ "الحراك التنموي الكبير"، إعلان عن مشاريع بنى تحتية وخدمية ضخمة، وتعزيز خطابات "إعادة الإعمار" التي لم تكن مجرّد وعود بل تحوّلت إلى واقع ملموس على الأرض.

كان لافتًا أنّ هذه المشاريع بدأت بالظهور في وقتٍ لم يتوقّعه كثيرون؛ ففي اللحظة ذاتها التي توقّع فيها المواطن في المخا والساحل الغربي أن يتنفّس الصعداء بعد سنوات من العزلة والتدهور، تواصل المقاومة الوطنية إطلاق سلسلة عمليات إصلاح وإطلاق مشاريع ضخمة لتغيير المشهد التنموي. ما يبعث برسالة واضحة إلى الداخل والخارج: أن إعادة الإعمار ليست شعارًا بمناسبة، بل مسار عمل مستمر.
- نهضة في الطرقات
طريق الشيخ محمد بن زايد، الذي يُطلَق عليه أحيانًا "هدية الإمارات" للمنطقة، تغيّر فيه ساعتان من الخوف إلى أمل حقيقي لأكثر من أربعة ملايين شخص يقطنون المدينة ومحيطها. الطريق عرضه يتجاوز 19 مترًا، يشمل حارتين عرض كل واحدة 7 أمتار، إضافة إلى جزيرة وسطية مزروعة بالأشجار، وجسرين رئيسيين: جسر موزع بطول 120 مترًا، وجسر السويداء بطول 60 مترًا، إلى جانب عشرات القنوات الحجرية والخرسانية لتصريف مياه السيول. أما حركة الاستخدام، فالبيانات الرسمية تشير إلى أن أكثر من 28 ألف شاحنة نقل بضائع وأكثر من 16 ألف مسافر عبروا هذا الشريان ضمن النصف الأول من 2025.

إضافةً إلى ذلك، يبرز مشروع آخر بعنوان "الطريق الزراعي": المقطع الأول بطول 30 كم تنفّذه شركة عدن للمقاولات والاستشارات الهندسية، والمقطع الثاني بطول 37 كم تنفّذه مؤسسة الصخرة للمقاولات والتجارة العامة، بإشراف شعبة الإسكان في المقاومة الوطنية وبرعاية الفريق ركن طارق صالح ودعم إماراتي. عرض الطريق 8 أمتار، سماكة طبقة الإسفلت 7 سنتيمترات، ويضم 180 عبّارة في المقطع الأول و160 في المقطع الثاني، إضافة إلى جسر خرساني بطول 150 متر وارتفاع 4.5 أمتار، وحزام أخضر من أشجار الدَّماس على جانبيه. أما امتداده الاستراتيجي، فهو من السقيا في مديرية رأس العارة بمحافظة لحج، مرورًا بموزع والمخا في تعز، وصولاً لأرياف الخوخة وحيس في الحديدة، ليصبح مشروعاً يربط المحافظات الجنوبية والغربية ويخدم الفلاحين والمزارعين على الساحل الغربي.
- الارتقاء بالقطاع الصحي
يضمّ المركز وحدات متخصصة في العظام والأعصاب والروماتيزم وتأهيل ما بعد الجلطات وإصابات النخاع الشوكي وتبديل المفاصل، إلى جانب أقسام متقدمة لتأهيل الرياضيين والعلاج اليدوي الدقيق والعلاج الطبيعي المكثف، فضلًا عن قسم لجراحات اليد الدقيقة باستخدام الميكروسكوب الطبي. كما يحتوي المركز على برامج علاجية متطورة لعلاج السلس البولي وداء الفيل، ووحدة خاصة بمرضى القلب بعد العمليات الجراحية وأمراض الجهاز الصدري، بالإضافة إلى غرف إقامة فندقية مجهزة بالكامل لاستقبال المرضى خلال فترات الرقود والعلاج، وحدائق خدمية ومساحات مهيأة للراحة والعلاج التأهيلي.

ولا يقتصر الاهتمام الصحي في الساحل الغربي على هذا المشروع الضخم، إذ تواصل المقاومة الوطنية، وبدعم إماراتي، رفد المستشفيات والمراكز الصحية بالأدوية والمعدات والتجهيزات الحديثة، إلى جانب تنفيذ مخيمات طبية مجانية في مختلف المديريات لخدمة الفئات الأشد حاجة. ومن أبرز تلك المبادرات مخيم العيون الطبي المجاني الذي نُفذ مؤخرًا في مدينة المخا لعلاج أمراض الحول والمياه البيضاء وضعف الإبصار، والذي قدّم خدماته لمئات المرضى من الأسر الفقيرة، بما في ذلك إجراء عمليات جراحية مجانية وتوزيع نظارات طبية وأدوية نوعية بإشراف كوادر متخصصة.
- توسعة محطة الكهرباء
وقد عبّر أهالي المخا عن ارتياح واسع عقب التحسن الملموس في التيار الكهربائي واستقراره خلال الأشهر الماضية، مؤكدين أن الخدمة في المدينة باتت أكثر انتظامًا وجودة مقارنةً بالعديد من المحافظات المحررة الأخرى، التي لا تزال تواجه أزمات متكررة في الإمداد الكهربائي والانقطاعات الطويلة. ويرى المواطنون أن هذا التحسن لم يكن ليتحقق لولا الرؤية الجادة في إعطاء ملف الطاقة أولوية قصوى ضمن خطط التنمية في الساحل الغربي.

وتؤكد المصادر المحلية أن دعم طارق صالح لقطاع الكهرباء لم يقتصر على محطة المخا، بل يشمل خططًا إضافية لتعزيز المنظومة الكهربائية في المديريات المجاورة من خلال مشاريع توسعة وتطوير في المحطات التحويلية ومدّ الشبكات الداخلية، بما يضمن وصول التيار الكهربائي إلى الأرياف والمناطق السكنية الجديدة. كما يجري العمل على تحسين كفاءة التوزيع وتحديث الأنظمة التشغيلية، وتوفير مولدات احتياطية حديثة تعمل بالطاقة النظيفة لدعم الأحمال خلال فترات الذروة.
ويشير خبراء محليون إلى أن اعتماد الطاقة الشمسية كمصدر رئيسي يعكس تحولًا في فلسفة إدارة الخدمات نحو الاستدامة البيئية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المكلف، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الوقود وصعوبة نقله إلى المناطق الساحلية. ومع هذه التوسعة، تتجه المخا بخطى ثابتة نحو تحقيق اكتفاء شبه ذاتي في الطاقة الكهربائية، الأمر الذي يمهد لتوسيع النشاط التجاري والصناعي في المدينة ويمنحها موقعًا رياديًا في الخارطة الاقتصادية للمناطق المحررة.
- تأمين مياه الشرب
ويُعدّ المشروع خطوة نوعية في مسار التنمية الريفية، إذ بدأت المرحلة الأولى بأعمال الضخ التجريبي بطاقة إنتاجية تبلغ سبعة لترات في الثانية، لتزويد أكثر من 430 أسرة في قرية جحزر والتجمعات السكانية المجاورة بمياه نظيفة وآمنة، بعد سنوات من المعاناة نتيجة الاعتماد على الآبار التقليدية ومصادر المياه الملوثة.
ويمثل المشروع نموذجًا ناجحًا لما يمكن أن تحققه المبادرات المحلية المدعومة بجهود ميدانية منظمة، إذ يجمع بين البعد الإنساني والتنموي، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي تشهدها مناطق الساحل الغربي. وتؤكد خلية الأعمال الإنسانية أن هذا المشروع يأتي ضمن خطة شاملة لتوسيع نطاق خدمات المياه في عدد من القرى الريفية، عبر حفر آبار جديدة وإنشاء خزانات تجميع وشبكات توزيع تعمل بالطاقة الشمسية لتأمين استدامة التشغيل وخفض التكاليف.
ويأتي هذا الإنجاز امتدادًا لسلسلة من المشاريع التي تستهدف تحسين جودة الحياة في المناطق المحررة، من خلال تعزيز البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، والحدّ من المخاطر الصحية الناتجة عن شح المياه أو تلوثها. كما يعكس المشروع حرص قيادة المقاومة الوطنية على الاستثمار في الإنسان أولاً، باعتبار المياه أساس الحياة وركيزة لأي تنمية حقيقية.
وبحسب الأهالي، فإن المشروع أسهم في إنهاء معاناة طويلة في جلب المياه من مسافات بعيدة، ووفّر لهم وقتًا وجهدًا كبيرين، ما مكّنهم من التركيز على الزراعة والتعليم وتحسين معيشتهم اليومية.
- بنية اقتصادية كبيرة
ويُعدّ ميناء المخا من أقدم الموانئ اليمنية وأكثرها ارتباطاً بالتاريخ التجاري للمنطقة، غير أنّ السنوات الماضية حولته إلى مرفق شبه متوقف. ومع إعادة تأهيله وتطوير بنيته التشغيلية واللوجستية، بدعم وإشراف قيادة المقاومة الوطنية، عاد الميناء ليصبح أحد أهم المراكز البحرية النشطة في البحر الأحمر، مستعيدًا مكانته كبوابة رئيسية لتدفق السلع والمساعدات الإنسانية، ومعبرًا لتصدير المنتجات الزراعية المحلية نحو الأسواق الإقليمية.
أما مطار المخا الدولي، الذي استكملت أعمال إنشائه وتجهيزاته الفنية الحديثة، فيمثل نقلة نوعية في البنية التحتية للنقل الجوي على مستوى الساحل الغربي. وسيسهم تشغيله في تسهيل حركة المسافرين ونقل البضائع والمساعدات الإنسانية، ويدعم جهود التنمية وإعادة الإعمار، ويخلق فرص عمل جديدة في مجالات النقل والخدمات واللوجستيات.
ويشير اقتصاديون إلى أن هذه المشاريع المتكاملة تعيد رسم الخريطة الاقتصادية للساحل الغربي، إذ تشكل الميناء والمطار مع شبكة الطرق الحديثة ومشاريع الطاقة والمياه منظومة مترابطة تضع المخا في موقع المحور التجاري والاقتصادي الأول للمناطق المحررة. كما تفتح الباب أمام الاستثمارات المحلية والإقليمية، وتساهم في إعادة دمج المحافظات اليمنية اقتصاديًا بعد سنوات من الانقسام والحرب.
ويرى مراقبون أن ما يحدث في المخا اليوم ليس مجرد تنمية محلية، بل مشروع وطني لإحياء الاقتصاد اليمني من بوابة البحر الأحمر، حيث تتلاقى المصالح التجارية والاستراتيجية في نقطة جغرافية حيوية تربط بين آسيا وأفريقيا، وتشكل صلة وصل طبيعية بين الداخل اليمني والممرات الدولية الكبرى.
- إغاثة مستمرة
وتهدف هذه المبادرات إلى تخفيف معاناة السكان وتعزيز صمودهم في وجه الأزمات المتلاحقة، من خلال تدخلات إنسانية منتظمة تصل إلى المناطق النائية في محافظتي تعز والحديدة، حيث يعاني السكان من شح الخدمات وغياب الدخل المستقر. كما تشمل أنشطة الخلية حملات دعم غذائي وصحي وإيوائي موسعة، إلى جانب مبادرات موسمية كـ مشروع إفطار الصائم وكسوة العيد، فضلًا عن المساعدات الطبية الطارئة للمستشفيات والمراكز الصحية.
وتؤكد خلية الأعمال الإنسانية أن فلسفتها تقوم على مبدأ "التنمية بالكرامة"، أي أن الإغاثة لا تُختزل في تقديم المساعدات الآنية، بل تُعدّ خطوة في طريق بناء الإنسان القادر على المشاركة في عملية التنمية الشاملة. فالتكامل بين الدعم الإنساني والمشاريع الخدمية الكبرى في مجالات الكهرباء والمياه والصحة، يعكس تحولاً في النهج التنموي من الاستجابة العاجلة إلى التمكين المجتمعي طويل الأمد.
في المجمل، تمثّل هذه المشاريع والأنشطة المتزامنة نقلة حقيقية في الواقع الإنساني والتنموي للساحل الغربي، وتدل على أن مرحلة ما بعد الصراع بدأت تتشكل فعلياً في بعض المناطق الأكثر استقرارًا.


















