> جريجوري د. جونسن:

على الحوثيين اتخاذ قرار.. فخلال العامين الماضيين تقريبًا، وضع الحوثيون أنفسهم في موقع المدافعين عن القضية الفلسطينية. وقد تجسد هذا عمليًا في هجمات الحوثيين على الملاحة التجارية في البحر الأحمر، وضربات صاروخية وبالطائرات المسيرة على أهداف إسرائيلية، وحملات قمع ضد موظفي الأمم المتحدة في اليمن. إلا أن اتفاق السلام الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين إسرائيل وحماس في وقت سابق من شهر أكتوبر، قد أزال، ولو مؤقتًا، المبرر العلني لهجمات الحوثيين هذه.

أمام الحوثيين ما لا يقل عن ثلاثة خيارات ممكنة للمضي قدمًا. يمكنهم وقف جميع الهجمات، والالتزام بشكل أساسي بالتعهدات السابقة التي قطعوها. يمكنهم الاستمرار في ضرب إسرائيل، مدعين إما أن الاتفاق لا ينطبق عليهم أو بدلاً من ذلك أن إسرائيل مستمرة في شن هجمات على الفلسطينيين. أو ربما، وهو المسار الأكثر ترجيحاً، يمكن للحوثيين استغلال الاتفاق في غزة كفرصة لإعادة تجميع الصفوف بينما يتطلعون إلى مواصلة القتال في المستقبل.
  • الخيار الأول: إنهاء الهجمات
يمكن للحوثيين بسهولة استخدام اتفاق سلام غزة، على الرغم من هشاشته، كذريعة لخفض التصعيد وإنهاء ضرباتهم على الملاحة التجارية والأهداف الإسرائيلية. ففي نهاية المطاف، تعرض الحوثيون وحلفاؤهم لضربات موجعة على مدار العام الماضي.

في غزة، أصبحت حماس مجرد "قشرة" لكيانها السابق. أما حزب الله اللبناني فقد أصبح مشتتًا ومجزًأ وتحت قيادة جديدة بعد اغتيال إسرائيل لحسن نصر الله في أواخر عام 2024. كما تعرض الحرس الثوري الإيراني، وهو أحد أكبر داعمي الحوثيين، لتدمير خلال حرب إسرائيل التي دامت 12 يومًا مع إيران في يونيو. والحوثيون أنفسهم استوعبوا أكثر من 1100 ضربة أمريكية في مارس وأبريل، وهو ما قد يكون له تأثير أكبر مما كان مفترضًا في البداية. وفي الآونة الأخيرة، أسفرت الضربات الإسرائيلية عن مقتل قيادات حوثية بارزة، بما في ذلك رئيس الأركان العسكرية، محمد الغماري، وهو ما أخفاه الحوثيون لمدة شهرين، مما يشير على الأقل إلى بعض المخاوف الداخلية.

بمعنى آخر، قد يكون اتفاق سلام غزة قد جاء في التوقيت المناسب تمامًا للحوثيين، حيث وفّر لهم مخرجًا يحفظ ماء الوجه. لكن المشكلة في هذا النهج هي أن السلام لا يوفر ما يحتاجه الحوثيون أو يرغبون فيه.

الحوثيون ليسوا في وضع يسمح لهم بالبقاء على المدى الطويل في اليمن حاليًا. ولكي يتموضعوا كسلطة حاكمة دائمة في الشمال، يحتاج الحوثيون إلى قاعدة اقتصادية. وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الحوثيين يركزون بشكل كبير على مأرب في السنوات الأخيرة، حيث ضخوا الرجال والأموال في حملات هجومية مختلفة تهدف إلى السيطرة على المحافظة وحقول النفط والغاز فيها.

على المستوى الأساسي، يريد الحوثيون ما يملكه طرف آخر. والسبيل الوحيد للحصول عليه هو أخذه بالقوة. إنهاء القتال يعني أن الحوثيين سيبقون مكتفين بالسيطرة على الأراضي التي يسيطرون عليها حالياً فحسب، والتي لا يمتلك أي منها الموارد الاقتصادية التي ستحتاجها الجماعة للاستمرار في العقد المقبل.

الأمر الأكثر إلحاحًا هو تزايد حالة الاستياء الداخلي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. ففي 25 أكتوبر، نشر محمد الباشا، المراقب المخضرم للشأن اليمني، مقطع فيديو يظهر رجال أعمال يمنيين في صنعاء وهم يواجهون مسؤولين حوثيين بغضب بشأن القواعد واللوائح المفرطة في التقييد. وعندما يتم الجمع بين السجل الحوثي السيئ في الحكم والأزمة الاقتصادية والتداعيات المستمرة للضربات الإسرائيلية، يبدو الوضع الداخلي غير مستقر بشكل متزايد.

لقد درج الحوثيون على إسكات المعارضة العامة من خلال "الاحتشاد" ضد عدو خارجي – سواء كانت الحكومة اليمنية من عام 2004 إلى 2010، أو السعودية والإمارات من عام 2015 إلى 2023، أو الولايات المتحدة وإسرائيل منذ عام 2023 – ولكن هذا يصبح شبه مستحيل إذا لم يكن الحوثيون منخرطين في صراع نشط.
  • الخيار الثاني: مواصلة الهجمات
الخيار الثاني المتاح أمام الحوثيين هو الاستمرار على ما كانوا عليه خلال العامين الماضيين، بشن هجمات على الملاحة في البحر الأحمر وأهداف في إسرائيل، قائلين بشكل أساسي إن الجماعة ليست طرفًا في اتفاق السلام. وبدلًا من قول ذلك، ولكن بنفس الغاية، يمكن للحوثيين القول بأنه بما أن إسرائيل لم تنسحب بالكامل من غزة، فلا يمكن للحوثيين إنهاء هجماتهم بالكامل.

من الواضح أن مواصلة الضربات ستسمح للحوثيين بمتابعة هدفيهما الداخليين – الاستيلاء على المزيد من الأراضي وسحق المعارضة – ولكن ليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كان الحوثيون في وضع يسمح لهم بمواصلة القتال على نطاق واسع. فربما تكون عملية "رافر رايدر" (الراكب الخشن)، وهي الحملة الجوية الأمريكية التي استمرت شهرين ضد الحوثيين، قد ألحقت أضرارًا بمخزونات أسلحة الحوثيين أكثر مما كان مفترضًا في الأصل. وعندما يتم الجمع بين ذلك وعدد من شحنات الأسلحة التي اعترضت مؤخراً، قد لا يكون الحوثيون، مهما بلغت رغبتهم في مواصلة القتال، في وضع يسمح لهم بذلك.

ربما يكون هذا قد أسهم في قلة نشاط الحوثيين خلال حرب إسرائيل التي دامت 12 يومًا ضد إيران، فضلًا عن تراجع هجمات الحوثيين على الملاحة التجارية في أواخر عامي 2024 و2025. كانت هناك بعض الضربات المذهلة – إغراق السفينتين "إم في ماجيك سيز" (MV Magic Seas) و”إتيرنتي سي” (Eternity C)، على سبيل المثال – ولكن العدد الإجمالي للضربات قد انخفض. قد يكون الحوثيون في وضع يسمح لهم بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة بشكل متقطع على إسرائيل، ولكن هذه الهجمات لم يكن لها تأثير كبير.
  • الخيار الثالث: إيقاف الهجمات مؤقتًا
إذا كان الخياران الأول والثاني غير قابلين للتطبيق لأسباب مختلفة، فذلك يترك الخيار الثالث: إيقاف الهجمات مؤقتًا بينما يعيد الحوثيون تجميع صفوفهم. يبدو أن هذا هو المسار الأكثر ترجيحًا للحوثيين. لا يرغب الحوثيون في شيء أكثر من مواصلة القتال، لأنهم يعتقدون أن أهدافهم لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الصراع، ولكنهم، شأنهم شأن معظم الأطراف المشاركة في الحرب، بحاجة إلى إعادة تجميع صفوفهم.

يحتاج الحوثيون إلى المزيد من الأسلحة من إيران وإعادة تنظيم القوات العسكرية للجماعة بعد الضربات الإسرائيلية وبعض الانشقاقات. وهناك بالفعل علامات تشير إلى أن الحوثيين يتراجعون، مؤقتًا على الأقل. ففي الأسبوع الماضي، كما أشار محمد الباشا، كانت هذه هي المرة الأولى منذ 107 أسابيع التي لا يعقد فيها الحوثيون مسيرة مؤيدة لغزة. كما أن زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي لم يلق خطابه الأسبوعي المعتاد.

وهذا يتناسب أيضًا مع نمط طوره الحوثيون خلال حروبهم الأولية ضد الحكومة اليمنية، وهي جولات من القتال تتخللها هدن هشة سمحت لهم بالمجال والوقت لإعادة التجمع. وفي هذه الحالة، من المرجح أن ينتظر الحوثيون إما حتى يزداد الضغط الداخلي لدرجة يشعرون معها بأن عليهم إعادة إطلاق الحرب أو حتى يعيدوا بناء مخزونات أسلحتهم إلى النقطة التي يمكنهم عندها استئناف الحرب. وفي كلتا الحالتين، الحرب لم تنته بالنسبة للحوثيين.

المصدر "معهد دول الخليج العربية AGSI "