عدن التي كانت نيويورك العرب، لم تكن عدن يومًا مجرّد ميناءٍ على خارطة الملاحة، بل كانت الميناء الثاني في العالم بعد نيويورك من حيث عدد السفن والبواخر التي ترسو فيه؛ كانت مدينةً نابضة بالحياة، يلتقي فيها الهندي والفارسي والعربي والإفرنجي، ويُدار العمل فيها تحت مظلة القانون، ويتعايش الناس في احترامٍ متبادلٍ لا مكان فيه للطائفية أو العصبية. كانت عدن، وهي تنبض على شاطئ البحر العربي، تبدو كأنها قلب العالم المفتوح. من شوارع كريتر المزدحمة بالمحلات والأصوات، إلى أرصفة التواهي التي تعانق السفن الوافدة من أقاصي الأرض، كان الناس هناك يرون في البحر أفقًا، لا حدًّا. وفي كل صباح، كانت الشمس تُطلّ على ميناءٍ لا ينام، ومجتمعٍ يعرف أن النظام هو أساس الكرامة، وأن العمل عبادةٌ وصناعةُ معنى.
  • روح المدينة الكوسموبوليتانية
كانت عدن، كما يتذكرها أبناؤها، مدينة النظام والنظافة والعدل، تلك التي سمّاها العدنيون — مازحين ومفتخرين — «دولة المسواك»، لما فيها من انضباطٍ وإتقانٍ ونزاهة. فيها كان الموظف يحضر في موعده، والشرطي يحفظ كرامة الناس قبل أن يحفظ النظام، والمدرسة تفتح أبوابها على ضوء القانون لا على مزاج السلطة. كان المجتمع العدني مزيجًا فريدًا من القيم البريطانية الصارمة والنفس العربية المتسامحة، ومن روح الإسلام المنفتحة على التعدد. في تلك المدينة الصغيرة، عاش الناس فكرة “المواطنة السوية” قبل أن تُدوَّن في دساتير المنطقة، فكان الهندوسي والزرادشتي واليهودي والعربي المسلم يعيشون جنبًا إلى جنب، تجمعهم لغة القانون والاحترام المتبادل، لا لغة الهوية والانغلاق.
  • حين هبّت رياح الأيديولوجيا
لكن حين هبّت رياح العنف الأيديولوجي من خارج المدينة، جرفت معها تلك الروح. حلّ الولاء محل القانون، والهوية الفرعية محل الانتماء الوطني، وتحول الميناء من بوابةٍ على العالم إلى جدارٍ بين الأمل والخذلان. لم تعد عدن تخرّج رجالًا كـ توني بس، مؤسس كلية سانت أنتوني في جامعة أكسفورد، أو موكيش أمباني، من بين أغنى رجال آسيا، أو قهوجي الزرادشتي صاحب المشاريع المجتمعية الذي أحب المدينة فعاش ومات فيها. كانوا نماذج من أبناء عدن المتعدّدة، ممن انطلقوا منها إلى فضاء العالم بثقةٍ ومعرفةٍ ووجدانٍ رحب. لكن المدينة التي كانت تُصدّر العقول والمواهب، غدت تُصدّر أبناءها في المنافي وتستورد وجعها من الداخل. تراجع القانون أمام سطوة السلاح، وغاب الوعي المؤسسي أمام زحمة الشعارات. ومن مدينةٍ تُدار بعقلٍ إداريٍ رصين، أصبحت عدن اليوم تعيش على ذكريات مجدها الذي ترويه الأجيال كأنها أسطورةٌ بعيدة.
  • زهران ممداني... صدى العدن البعيد في نيويورك
وحين نقرأ اليوم عن فوز زهران ممداني، العمدة المسلم في نيويورك، ونرى الجدل الذي أثاره نسبه ومذهبه، نستحضر تلك العدن القديمة التي لم تكن تسأل عن المذهب بل عن الفكرة، ولا عن الأصل بل عن الكفاءة. فالرجل — ابن لأبٍ مسلمٍ وأمٍ هندوسية، وُلِد في أوغندا، ونشأ في كيب تاون، ثم صنع مجده في نيويورك — هو ابن العالم المفتوح ذاته الذي كانت عدن رمزًا له يومًا ما. لم ينشغل ممداني بالحروب الدينية القديمة، ولا بمتاريس الهوية، بل انشغل ببناء ذاته في عالمٍ لا يمنح الفرص إلا لمن يخلقها. في سيرته تتجسّد روح المدن الكونية: ابنٌ لعائلة مهاجرة استطاع أن يصبح عمدة لإحدى أعظم مدن العالم خلال سبع سنوات فقط من حصوله على جنسيتها. نجاحه لا يُحتفى به لأنه «مسلم» أو «شرقي»، بل لأنه إنسانٌ مثابر آمن بقيمة العمل والانتماء للمكان الذي منحه حقوقه الكاملة. وهو بهذا المعنى مرآةٌ تعكس ما كانت عليه عدن ذات يوم — مدينةٌ تُخرّج أبناءها للعالم لا للحروب، وتؤمن أن الولاء للوطن لا يُقاس بالعِرق أو المذهب، بل بالمساهمة في الخير العام.
  • بين عدن ونيويورك... التقاء الحكايتين
تتواجه عدن ونيويورك اليوم على طرفي التاريخ: الأولى كانت في الماضي بوابة العرب إلى العالم، والثانية ما زالت بوابة العالم إلى ذاته. في عدن كان القانون هو الحاكم الأعلى، وفي نيويورك اليوم، تستمر الفكرة ذاتها — أن المدينة التي تفتح ذراعيها للتنوع لا تخاف من الغد. كلاهما، في لحظةٍ من الزمن، شكّل رمزية للعالم المفتوح: مدينة تتكلم كل اللغات وتضم كل الأديان وتحتضن كل الأحلام. لكن الفرق أن نيويورك نجحت في حماية مؤسساتها من الانهيار، بينما تآكلت عدن بفعل الإقصاء، ثم أُنهكت بصراعاتٍ لم تُبقِ فيها للمدنية أثرًا إلا في الذاكرة.
  • مرآة المدن... وعودة الروح
في تاريخ المدن الكبرى دروسٌ لا تُحصى. فالمكان، كما يقول المعماريون، ليس الجغرافيا فقط، بل هو نظامُ قيمٍ وسلوكٍ وتفاعلٍ إنساني. وحين يفقد المكان هذه المنظومة، يتحوّل من فضاءٍ حيٍّ إلى خرائطٍ باهتة. عدن التي كانت الميناء الثاني بعد نيويورك تستطيع أن تستعيد مجدها، إن استعادت فلسفتها القديمة — الانفتاح، القانون، والعمل. أن تعود عدن لتكون مدينةً تُعيد للإنسان كرامته، وللمواطنة روحها المتسامحة، وللعروبة معناها المدني. فالمجد لا يعود بالبكاء على الأطلال، بل بإحياء المعنى الذي صنعها. عدن التي علّمتنا أن البحر لا يشيخ، وأن الميناء لا يغلق قلبه في وجه السفن، يمكن أن تعود لتكون مرآةً لعالمٍ أوسع من الجغرافيا — عالمٍ يسكنه الإنسان أولًا، لا الهوية.