يُعد وجود مركز وطني للمعلومات يتبع رئاسة الدولة في أي بلد من أهم الركائز الرئيسة للحوكمة الرشيدة، وضمان اتخاذ القرارات الصائبة والمصيرية المبنية على البيانات والمعلومات الدقيقة والمحدَّثة. كما يعكس ذلك فهماً وإدراكاً عميقاً لمتطلبات الإدارة الحديثة للدولة التي تعتبر المعلومات مورداً وطنياً واستراتيجياً.

ويمثل المركز الوطني للمعلومات صفوة ونخبة بقية مراكز المعلومات على مستوى المحافظات والوزارات والمؤسسات، ومن المفترض أن يقود وينسّق العمل والنشاط المعلوماتي على المستوى الوطني، كما يُعد المركز أحد أرفع وأهم المؤسسات الفكرية والعلمية والمعرفية النخبوية المناط بها مهمة تأمين مواكبة البلد لثورة العصر المعلوماتية والتكنولوجية التي يتصدرها أهم إنجاز توصل إليه العقل البري، والمتمثل في الذكاء الاصطناعي.

وتتجلى الأهمية القصوى لوجود مركز وطني للمعلومات في الجوانب التكتيكية والاستراتيجية التي تتكامل فيما بينها على حدٍّ سواء.

وهناك تجارب عربية وإقليمية ناجحة تقدم نماذج للدور الهام والمحوري الذي يتولاه ذلك النوع من المراكز مثل مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار (مصر)، المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء والبيانات(الإمارات)، المركز الوطني للذكاء الاصطناعي وهيئة البيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) (السعودية)، والمركز الوطني للمعلومات التابع لمكتب رئاسة الجمهورية في اليمن، والذي يعتبر من أوائل المراكز المشابهة في المنطقة والذي تم إنشاؤه عام 1995م.

لقد لفت انتباهي خلال الأيام القليلة الماضية أن مخرجات الاجتماعات الأخيرة لمجلس القيادة الرئاسي في نهاية شهر أكتوبر المنصرم تضمنت قرارات تؤكد على توجهات مهمة تتمثل في الشفافية والمساءلة، إضافة إلى الربط الإلكتروني والأتمتة والتحول الرقمي، وهي جوانب مؤسسية ومعلوماتية جوهرية تدخل في صميم مهام المركز الوطني للمعلومات، المفترض وجوده ونشاطه وتبعيته الهيكلية والتنظيمية لمكتب رئاسة الجمهورية في العاصمة المؤقتة عدن.

وقد أثبتت أزمة إصدار القرارات الجمهورية والرئاسية، التي أحالها مجلس القيادة الرئاسي إلى الفريق القانوني المساند له لدراستها ومراجعتها وإبداء الرأي بشأن قانونيتها، أن مكتب رئاسة الجمهورية – الذي يُعد القلب النابض لمجلس القيادة الرئاسي وللدولة بشكل عام – يعيش أزمة مؤسسية ومعلوماتية حادّة وعميقة تمنعه من أداء مهامه المنوطة به بالشكل السليم، مما تسبب في كثير من الخلافات وتفجّرها بين أعضاء مجلس القيادة الرئاسي أنفسهم.

واتضح جليًّا من خلال عمل مكتب رئاسة الجمهورية عدم التزامه بمبدأ الشفافية وإتاحة المعلومات، إذ أخفى القرارات الرئاسية التي أصدرها رئيس المجلس خلال ما يقارب ثلاث سنوات ونصف منذ بيان نقل السلطة في 7 إبريل 2022م. كما تبيّن أن المكتب لا يمتلك قاعدة بيانات شفافة ومتاحة تحتوي على قرارات مجلس القيادة الرئاسي الخاصة بالتعيينات، ولا قاعدة بيانات للسير الذاتية للمعيّنين والمستفيدين من تلك القرارات، وهو ما يعني افتقاده لأبسط معايير العمل المؤسسي والمعلوماتي.

لقد تعمّد مكتب رئاسة الجمهورية تعطيل وهدم أهم هياكل العمل المؤسسي والمعلوماتي الوطني التي تضمن وجود قواعد بيانات داعمة لصناعة القرار الوطني السليم وضمان الشفافية والمساءلة، والمتمثلة تحديدًا في المركز الوطني للمعلومات في العاصمة المؤقتة عدن، من خلال تعمّده العرقلة وعدم جدية العمل على ضمان استئناف نشاط المركز أسوة ببقية الوزارات والجهات الحكومية الأخرى، وكذلك عدم إيجاد مقرٍّ مؤقت لطاقم المركز إلى أن يُرتَّب له مقرٌّ رسمي، فضلًا عن عدم إطلاق وزارة المالية الموازنة التشغيلية الخاصة بالمركز أو قيام المكتب بمسؤولياته تجاهه.

كما لم يعمل مكتب رئاسة الجمهورية على تأمين الظروف والترتيبات اللازمة لاستئناف نشاط مكتب التنسيق للمركز الوطني للمعلومات في محافظة عدن ودعمه، رغم أنه كان من أنشط مكاتب التنسيق على مستوى المحافظات الأخرى كتعز، وإب، وحضرموت، والحديدة وغيرها.

إن ما تعرّض له المركز الوطني للمعلومات ومكتبه التنسيقي في محافظة عدن يُعدّ إخلالًا جسيمًا بمبدأ استمرارية نشاط وعمل المؤسسات العامة، وجريمةً مؤسسيةً مكتملة الأركان على مستوى الدولة. كما أنه يشكّل إساءةً بالغة بحق نخبةٍ من الخبراء والموظفين الذين يُعدّون من أكفأ الكفاءات المعلوماتية على الصعيد الوطني. فقد تعمّد مكتب رئاسة الجمهورية إطالة أمد تعطيل استئناف المركز لنشاطه، لتظل إدارة الدولة حتى اليوم من دون مرجعية معلوماتية وطنية ومن دون محتوى بيانات متاح، رغم توافر الإمكانات اللازمة لإعادة تشغيله، وفي ظلّ استمرار الإنفاق بسخاء على قضايا ثانوية لا تمس جوهر العمل المؤسسي.

والمؤسف أن مكتب رئاسة الجمهورية، الذي مارس سياسة التعطيل والهدم بحق المركز الوطني للمعلومات – ذلك الصرح المعلوماتي والبحثي الذي يُعد من أرفع وأهم المؤسسات الوطنية – مارس كذلك سياسة التطفيش والتهميش بحق كفاءاته وخبراته، تاركاً لهم دون عمل وفي بيوتهم، محرومين من ممارسة تخصصاتهم ومهامهم الراقية التي تعود بالنفع على الوطن. كما أن الموظفين المتعاقدين منهم أمضوا ما يقارب العام دون استلام رواتبهم الشهرية التعاقدية الزهيدة.

وفي المقابل، يُغدق مكتب رئاسة الجمهورية بالرعاية والاهتمام على محمد عبده حسن العمراني، المعيَّن رئيسًا للمركز الوطني للمعلومات (بدرجة وزير)، والمقيم في الخارج متنقلاً بين الرياض وأنقرة، والذي يتقاضى مخصصات شهرية ضخمة تقدر بالآلاف من الدولارات، رغم أنه لم يتم اختياره وتعيينه من داخل كادر المركز أو من كادر بقية مراكز المعلومات والحاسوب في البلد أو من الجامعات، كما أنه ليس متخصصًا أصلًا في مجال المعلوماتية وتكنولوجياتها، بل لم يكن موظف دولة أصلًا، وتم الإتيان به من خارج المركز بعد ثورة 11 فبراير السلمية وتحديدًا عام 2013م على يد نصر طه مصطفى، مدير مكتب رئاسة الجمهورية حينها.

وعليه، يمكن الجزم بأن مكتب رئاسة الجمهورية بات في حاجةٍ ماسةٍ إلى عملية إصلاحٍ شاملةٍ وعاجلة، تمكّنه من تجاوز وضعه الراهن، ومعالجة مكامن الخلل الجوهرية التي تمّ التطرق إليها آنفًا، بما يضمن استعادة كفاءته المؤسسية ودوره المحوري في إدارة شؤون الدولة.

لك الله يا وطني..



* أستاذ المعلوماتية - جامعة عدن

رئيس المركز الوطني للمعلومات التابع لمكتب رئاسة الجمهورية سابقا

خبير في مجال المعلوماتية - الأمم المتحدة