> «الأيام» غرفة الأخبار:

أثار قرار مجلس القيادة الرئاسي في اليمن الصادر مطلع نوفمبر 2025، بإغلاق جميع المنافذ البحرية المستحدثة التي وصفها بالمخالفة للقوانين المنظمة، جدلًا واسعًا في اليمن التي لا تزال تعيش على وقع ارتداداته وتبعاته، وسط صدمة وذهول من وجود موانئ بحرية تعمل بمعزل تام عن السلطات الحكومية الرسمية، وتحت قبضة شبكات تهريب المشتقات النفطية، ويتحكم فيها قادة عسكريون ومسؤولون نافذون.

ومن المتوقع أن تشهد البلاد خلافًا واسعًا، في ظل توجه السلطة نحو تصنيف كل من يرفض التعامل مع هذا القرار وغيره من القرارات التي وردت في خطة الإصلاحات بالتمرد. يأتي ذلك وسط تباين في الآراء حول هذه الموانئ التي تقع معظمها في محافظات جنوب اليمن وجنوب شرقها، وهي: قنا في شبوة، والشحر في حضرموت، ونشطون التابع لمحافظة المهرة، ورأس العارة في محافظة لحج.
  • تشتيت الإيرادات
الخبير الاقتصادي هشام الصرمي، يقول في تصريح لموقع "العربي الجديد"، إن الموانئ الأربعة أُنشئت بقرار من السلطات المحلية في مناطق الحكومة المعترف بها دوليًا، حيث قرر المجلس الرئاسي إيقافها، لأنها تعمل على تشتيت الإيرادات الحكومية في العموم، وتهميش الموانئ الرئيسية، بينما تقول السلطات المحلية إنها تعمل على حوكمتها.

واطلع "العربي الجديد" في هذا السياق على مذكرة موجهة من رئيس الحكومة اليمنية بتاريخ 3 نوفمبر 2025، إلى وزير النقل ومحافظي محافظات حضرموت والمهرة وشبوة ولحج، يدعوهم لمباشرة تنفيذ ما ورد في قرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (11) لسنة 2025، بشأن الموافقة على أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة في إغلاق كل المنافذ البحرية المستحدثة المخالفة للقوانين والأنظمة النافذة والمتمثلة بموانئ الشحر بحضرموت، ونشطون في المهرة، ورأس العارة في لحج، وقنا في شبوة.

كما طالب القرار بتوحيد الإيرادات العامة، وتوريدها إلى البنك المركزي اليمني في العاصمة المؤقتة عدن.

وبناءً عليه يجري تنفيذ الإغلاق الفوري للموانئ المشار إليها، وذلك اعتبارًا من تاريخ 3 نوفمبر 2025، وعلى الجهات المعنية ضمان التنفيذ الكامل دون تأخير، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد أي جهة أو طرف يمتنع أو يتسبب في عرقلة التنفيذ.

لكن السؤال الذي يبحث اليمنيون عن إجابة له؛ ما حقيقة هذه الموانئ؟ ولماذا كانت الحكومة غائبة عنها طوال الفترة الماضية، حيث تتحدث عن كونها موانئ مستحدثة؟.
  • موانئ تهريب وقود
في هذا السياق، كشفت مصادر، أن بعض هذه الموانئ تهرّب مشتقات نفطية وغاز، وتدار من قبل شبكة واسعة من النافذين، غالبيتهم قيادات عسكرية ومسؤولون، وتُدرّ عليهم ملايين الدولارات.

يأتي على رأس هذه المرافق ميناء قنا الواقع في شبوة، ويحاذي مناطق قريبة من محافظة مأرب، وهما محافظتان يمنيتان نفطيتان ترتبطان بمشروع الغاز الطبيعي المسال الذي يعتبر أهم وأكبر مشروع اقتصادي واستثماري في اليمن، حيث يجري استخراج الغاز من مأرب، ومن ثم نقله إلى شبوة لتصديره، إذ يعتبر هذا الميناء (قنا)، حسب المعلومات التي حصل عليها "العربي الجديد"، مستحدثًا تم إنشاؤه قبل نحو خمس سنوات، ويعتبر منفذًا رئيسيًا لتهريب المشتقات النفطية، وتتحكم به بشكل كلي قيادات عسكرية نافذة، تدير وتشرف على أعمال هذه الشبكات العاملة في تهريب النفط والغاز، وتزايد عملها بشكل واسع بعد توقف التصدير الرسمي في أكتوبر عام 2022.
  • شحن بدائي
الباحث الاقتصادي، عبد الواحد العوبلي، يؤكد أن هناك عملية تهريب منظمة تنشط منذ سنوات عبر هذه الموانئ، وقد عملنا طوال الفترة الماضية على التحذير من هذا الأمر، لكن لم يلتفت أحدٌ لذلك.

ويشرح العوبلي أن عملية التهريب في ميناء قنا تجري عبر ناقلات وشاحنات تعمل على مد أنابيب، تمتد من صهاريجها، لتصب داخل صناديق موجودة في قوارب في البحر، حيث تجري هذه العملية بشكل بدائي وتقليدي للغاية منذ فترة طويلة، في حين جرى استحداث نقاط في ميناء قنا لهذا الغرض.

إلى جانب قنا الواقع في البحر العربي، هناك أيضًا ميناء يدور حوله حديث وجدل وعلامات استفهام حول عمله منذ فترة في مجال التهريب وتحكم نافذين وشبكات في هذا الميناء موالين لدولة خارجية، والمتمثل بميناء "رأس العارة" في محافظة لحج، الواقع بالقرب من باب المندب.

حسب العوبلي، فإن أغلب هذه الشبكات محسوبة بشكل أو بآخر على الحكومة والسلطة الرسمية، وهناك تبادل مصالح ومنافع تتوزع بين الجيش والأمن وقوات الحماية ومسؤولين مستفيدين، وهكذا تتوزع هذه الشبكة التي تتكون أساسًا من مُهربين يحميهم نافذون.

في حين، أفاد مَعنيون في بعض الموانئ، مثل ميناء الشحر بحضرموت، أنه يعمل بشكل رسمي، ولا علاقة له بالتهريب، وأنه ليس ميناء مستحدثًا، بل يعمل بشكل قانوني، وتُتبع فيه قوانين وأنظمة وزارة النقل الحكومية المتطلبة في هذا النوع من القطاعات والمرافق.
  • انتقادات لقرار الإغلاق
الخبير الاقتصادي، محمد الكسادي، أستاذ الاقتصاد المالي بجامعة حضرموت، ينتقد في تصريح لـ"العربي الجديد"، هذا القرار الذي شمل موانئ ليست مستحدثة، مثل ميناء "نشطون" في المهرة الذي يعمل منذ عام 1984، وكان له دور مهم في ربط الحركة التجارية بين اليمن ودول الخليج العربي، لذا يجب إعادة النظر في هذا القرار، فبدلًا من العمل على إعادة تطوير هذا الميناء، يصدر قرار بإغلاقه، وهذا أمر غير مقبول، ويجب إعادة النظر فيه، وفق الكسادي.

يتابع: بالنسبة لميناء الشحر؛ فهذا كان ميناء حضرموت الأول قبل إنشاء ميناء المكلا ليصبح الميناء الأول والرئيسي، وبالرغم من ذلك استمر ميناء الشحر بعمله وممارسة نشاطه بشكل رسمي قبل أن يتحول إلى ميناء سمكي.

خلال سيطرة تنظيم "القاعدة" على مناطق واسعة في حضرموت في الفترة الممتدة من 2014 إلى نهاية 2015، أدار التنظيم هذا الميناء "الشحر" وحوّله إلى ميناء إنزال "للبُوتات" الصغيرة التي تأتي من موانئ أخرى خارجية، قبل أن يجري إغلاقه لفترة بعد طرد "القاعدة" من حضرموت، ليعود بعد ذلك للعمل، إذ يشير الكسادي إلى أن الميناء بعد أن عاد للعمل كان له دور كبير في خلق فرص العمل وتطوير مدينة الشحر، وازدهار الحركة التجارية والاقتصادية، إضافة إلى الإيرادات التي تحصلها السلطة المحلية.

بالمقابل، يتحدث مراقبون وخبراء وناشطون أن الحكومة تجاهلت الحديث عن خروج ميناء ومطار سقطرى عن سيطرتها بشكل كلي منذ سنوات، ولم تتحدث عن وضع موانئ أخرى كميناء الضبة النفطي في حضرموت، وعن خروج مطاري الريان في المكلا والغيظة في المهرة عن سيطرتها منذ سنوات، يُضاف إلى أنها تجنبت الحديث عن ميناء المخاء الخارج عن سيطرتها أيضاً.

هذا الإغلاق الذي شمل أربعة موانئ يمنية يُعد تعطيلًا متعمدًا من قبل الحكومة دون اعتبار للتداعيات التي سوف تنتج عن هذا الإغلاق، حسب مراقبين. ولم يصدر حتى الآن أي موقف من قبل ثلاثة من محافظي المحافظات والسلطات المحلية التي تقع فيها الموانئ الأربعة، فيما يبدو على أنه تحفظ على هذا القرار الذي أصدره مجلس القيادة الرئاسي.

وافتتح ميناء قنا في يناير عام 2021، بينما "رأس العارة" افتتح في عام 2022، في حين يختلف الأمر بالنسبة لميناء الشحر الذي افتُتح بهذا الشكل خلال فترة سيطرة تنظيم "القاعدة"، ليُغلق قبل أن يجري افتتاحه مرة أخرى.

يقول الخبير الاقتصادي، محمد الكسادي، إن الدولة عليها الاتجاه لتطوير هذه الموانئ، لأنها ستخسر بقرار إغلاقها، حيث ستزيد نسبة البطالة، إضافة إلى فقدان الحكومة إيراداتها.

أما الخبير الاقتصادي، هشام الصرمي، فيرى أنه في ظل الفوضى الحادثة في توزيع الإيرادات العامة، فإن قرار مجلس القيادة الرئاسي مهم بالنظر إلى هذا الوضع، وبعد أن تجري عملية الإغلاق، وفي حال كان هناك ضرورة، ففي مرحلة ثانية بالإمكان أن يعاد افتتاح الموانئ المغلقة بعد حوكمتها، لكن حاليًا يجب تنفيذ القرار جملة وتفصيلاً، بما يحفظ السيادة ويضبط مسار الإصلاحات.