قبل إن أكتب هذا المقال وأنا ذاهب إلى مكة المكرمة لأعلم لماذا شعرت بشيء من الرهبة عندما ركبت الطائرة.. وصدح النداء قائلا سبحان الذي سخرنا لنا هذا.. توكلنا على الله.. بدء خوف السفر رغم انه يبقى تجربة إنسانية تجمع في طياتها مشاعر متباينة بين الشوق والرهبة، وبين الأمل والخوف. وحين يكون السفر على متن الطائرة، تتضاعف تلك الأحاسيس، إذ يمتلك الطيران خصوصية لا تشبه غيرها من وسائل النقل، تبدأ منذ لحظة الصعود وتنتهي عند ملامسة عجلات الطائرة أرض المطار.

منذ أن يخطو المسافر أولى خطواته داخل الطائرة، يتملّكه شعور بثقل المسؤولية وضرورة التوكل على الله. فرغم ما وصل إليه العالم من تطور تقني وضمانات السلامة، تبقى تلك اللحظات تذكيرًا للإنسان بضعفه وبأن الحفظ الحقيقي بيد الله وحده. ومع إعلان قائد الطائرة عن بدء الإقلاع، يتسارع نبض القلب وتزداد رهبة الارتفاع، فيجلس كل مسافر بين رجاء الرحمة ودعاء السلامة.

تعد لحظات الإقلاع من أكثر مراحل الرحلة إثارة وقلقًا، فاندفاع الطائرة على المدرج ثم ارتفاعها عن الأرض يمنح الراكب شعورًا بالخروج من عالمه المعتاد إلى فضاء لا يملك فيه شيئًا سوى الدعاء. وما إن تستقر الطائرة في الجو حتى تهدأ النفس نسبيًّا، لكن رهبة العلو تبقى حاضرة، تذكر بأن الرحلة مستمرة بين السماء والأرض.

وعند الهبوط، تعود مشاعر التوتر من جديد. فالعودة إلى الأرض بعد التحليق لساعات توقظ تساؤلًا داخليًّا حول هذا الحديد الضخم الذي ينزل بسلام واتزان مذهل. ومع كل اهتزاز بسيط، يتردد في القلب.. توكلنا على الله، وهو خير الحافظين.

ومع ذلك، يبقى الطيران نعمة عظيمة من نعم الله في هذا العصر؛ فهو يقرب المسافات ويجمع البشر ويوسع آفاق العالم. وما بين الغيوم المتمددة تحت نوافذ الطائرة، يعيش الإنسان لحظات تأمل لا تتكرر. فالسحب البيضاء التي تبدو كجبال شامخة تتحرك بأمر الله، تمنح المسافر شعوراً بعظمة الخالق وجلال قدرته، فيردد اللسان بلا شعور.. سبحان من سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين.

إن رهبة الطيران ليست ضعفًا، بل هي انعكاس طبيعي لخوف الإنسان من المجهول. وما يطمئن القلب حقًا هو الإيمان بأن الله هو الحافظ، وأن الطائرة وإن علت في السماء، تبقى في ملكه وتحت أمره. لذلك يقول المسافر بثقة.. توكلنا على الله… فمن توكل عليه كفاه وهو حسبه.