بعد عقودٍ طويلة من التعثر العربي، تحوّلت «المؤامرة» إلى العدسة الأسهل التي يُفسَّر من خلالها كل فشل سياسي أو اقتصادي أو ثقافي، حتى غدت مهربًا ذهنيًا يعفي الفرد والمجتمع من مواجهة الأسئلة الصعبة. والحقيقة أن هذا المنحى ليس جديدًا على وعينا التاريخي؛ فقد نبّه ابن خلدون قبل قرون إلى أن «المغلوب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب»، في إشارة إلى حالة الهزيمة الداخلية التي تدفع المجتمعات الضعيفة إلى تعليق أزماتها على الآخر بدل مواجهة خللها الذاتي. وفي الاتجاه نفسه، يعمّق مالك بن نبي هذا التشخيص حين يقول: «المستعمر لا يصنع الاستعمار، بل القابلية له»؛ أي أن الخارج لا يستطيع النفاذ إلى الداخل إلا حين يفقد المجتمع مناعته الفكرية والمؤسسية.

من هنا يتضح أن أزمة «المؤامرة» ليست أزمة صراع مع الخارج بقدر ما هي أزمة قابلية داخلية تشكّلت عبر عقود من ضعف التعليم، وغياب النقد، وترسّخ أنماط التفكير التبريري. وهكذا يصبح السؤال الجوهري ليس: «ماذا يفعل الآخر بنا؟» بل: «كيف أصبح وعينا قابلًا لتصديق ما يفعله بنا الآخر؟» — وهو جوهر المأزق الذي يحاول هذا المقال تفكيكه، ضمن إطار أشمل لأزمة الوعي وأزمة الحكم في العالم العربي.
  • رواسب الوعي الجمعي وصناعة العجز
المفارقة أن نقد الأنظمة والإعلام بزعم صناعة «ثقافة المؤامرة» يتحوّل هو نفسه إلى خطابٍ مؤامراتي مضاد، يفترض وجود ماكينة متماسكة تصوغ وعيًا زائفًا. بينما الواقع أكثر بدائية وعمقًا؛ فالإعلام لم ينشأ في فراغ، بل هو انعكاس لبنية اجتماعية تهرب من مواجهة ذاتها وتعجز عن إنتاج وعي بديل. المؤامرة ليست “منتجًا مفروضًا”، بل جزء من تربيةٍ معرفيةٍ ممتدة تجعل الهروب من مواجهة الذات أسهل من الوقوف أمام الحقيقة.

وليس عبثًا أن يقول عبدالله العروي: «كل فكر لا يجرؤ على نقد نفسه محكوم بالجمود.»

فنحن نعوّد العقل على رؤية الخطر في الخارج، وتبرئة الداخل من كل مسؤولية. ومع مرور الزمن، يتحول الفرد من عقلٍ فاعل إلى عقلٍ مفعولٍ به، ومن كائن قادر على المبادرة إلى مستهلك لخطابات تفسّر له واقعه بدل أن تُمكّنه من تغييره.
  • التعليم والعقل المستقيل: من غياب النقد إلى غياب الإبداع
إن الجذر الأعمق لأزمة المؤامرة يكمن في تكوين العقل قبل المواقف السياسية. فالتعليم العربي نادرًا ما يُنتج عقلًا نقديًا، أو قدرة على التحليل المستقل. وفي الكثير من البلدان العربية، غابت علوم الاجتماع والفلسفة والإنسانيات الحديثة، وتحولت المدرسة والجامعة إلى مؤسسات تلقين لا تفكير، وتكرار لا إنتاج معرفة.

وفي غياب العقل البرهاني المستقل، تمدّد العقل البياني الذي يكتفي بالشرح، والعقل العرفاني الذي يغرق في الحدس والغيبيات، فلا يبقى للعقل التحليلي مكان. وقد لامس محمد عابد الجابري جوهر المأزق حين قال: «الأزمة ليست في التراث، بل في طريقة تعاملنا معه.»

بل إن ابن خلدون سبق الجميع حين نبّه إلى أن: «المغلوب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب.» — وهي عبارة تكشف الجذر النفسي والاجتماعي القابل لتصديق المؤامرة.
  • الحكم المعطّل والدولة العاجزة
الدولة العربية الحديثة لم تُبنَ على مفهوم الوظيفة العمومية أو المواطنة المؤسسية، بل على منطق السيطرة وتوزيع الامتيازات. تحوّلت السلطة إلى ملكية شخصية، والجامعة إلى مؤسسة خاضعة للوصاية، والإعلام إلى امتداد للخطاب الرسمي، والإدارة العامة إلى شبكة ولاءات تُفضّل الحفاظ على البنية القائمة بدل السعي للإصلاح.

وفي مثل هذه البيئة، يصبح من الطبيعي أن تزدهر سرديات المؤامرة، لأن طرح الأسئلة يُعد تهديدًا، ولأن النقد يُنظر إليه بوصفه تمردًا لا محاولة للتصحيح. ويتحوّل الخلل البنيوي إلى “قدر سياسي” لا يجوز الاقتراب منه. ولعل مالك بن نبي عبّر عن هذه المعضلة حين قال: «المستعمر لا يصنع الاستعمار، بل القابلية له» — وهي قابلية تتغذى على ضعف الدولة وهشاشة المجتمع وغياب مؤسسات تُنتج وعيًا بديلًا.
  • الوعي الجديد: من نقد المؤامرة إلى نقد الذات
الطريق إلى التعافي لا يبدأ من الخارج ولا بقرار فوقي، بل بعملية تحرير للعقل تعيد للإنسان العربي ثقته في قدرته على الفهم والمبادرة، وتكسر حاجز الدونية المعرفية الذي يرسّخ الاتكالية والتردد. ويبدأ ذلك بإعادة بناء التعليم على أسس نقدية، واستقلال القضاء، وتحرير الجامعة، وخلق إعلام مهني مستقل يقوم على المعرفة لا على الشعارات.

كما يتطلب ذلك إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة العقد الاجتماعي، وربط الحرية بالمسؤولية، والحكم بالمحاسبة. وفي هذا السياق، تبدو كلمات كانط مرشدًا ضروريًا: «التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه».
  • خاتمة: القناع الذي يجب أن يسقط
ليست المؤامرة سوى قناع نتذرّع به كي لا نرى صورتنا الحقيقية في المرآة. وحين يسقط هذا القناع، سنكتشف أن معركتنا ليست مع «الآخر»، بل مع الجهل، والاتكالية، والاستبداد الداخلي؛ فهي المنابع الحقيقية للعجز والتراجع. ولا يتحقق التحرر الحقيقي إلا حين يتحمل المجتمع مسؤوليته عن بناء دولة العقل والمعرفة، لا دولة الوهم والشعارات.