> نائف الحساني:
- للشاعر السعدي: أكتب من قلب يمني بسيط أرى في الدين حبًا وسلامًا
- رافد البراق: الشعر الشعبي في اليمن يعكس وعي الناس البسطاء
- القصيدة الشعبية كانت البوابة لترميم العلاقة بين الدين والإنسان
لم تكن القصيدة مجرد تعبير شخصي بقدر ما كانت نافذة تكشف عمق القيم الاجتماعية التي ما يزال اليمنيون يحملونها، مهما ضاقت بهم الأيام فالشعر الشعبي الذي عاش في ذاكرة الناس لزمن طويل يعود اليوم ليذكّر بأن التعايش قيمة أصيلة ضاربة الجذور في الثقافة المحلية، وليفتح بابًا جديدًا للحديث عن الإيمان بوصفه مساحة لقاء لا صراع.
تقول أبيات السعدي
قال داعس يا النبي عيسى تأكد
يا ابن مريم إن حبي لك صحيح
كلما حبيت سيدنا محمد
يحسبونا ما بحبك يا المسيح
ورغم بساطة المفردات فإن الشاعر استطاع أن يضع إصبعه على واحدة من أهم القضايا التي عاشها اليمن خلال سنوات الحرب، وهي استغلال الدين لإشعال الخصومة بين الناس، لكن القصيدة جاءت لتقول إن الإيمان الحقيقي لا يعرف التناقض، وإن محبة الأنبياء جميعهم هو جوهر الأديان، وشعور إنساني لا يقبل المساومة ولعل قوة القصيدة أنها انطلقت من الوجدان الشعبي، وليس من خطاب ديني رسمي أو تنظيري، ما جعلها تصل إلى القلوب قبل العقول، وتستعيد ما فقدته الحياة العامة من لغة مشتركة تجمع اليمنيين مهما اختلفت مذاهبهم أو مناطقهم.
يقول الشاعر داعس السعدي في حديث خاص لموقع "الأيام"، كتبت الأبيات من وحي شعور داخلي بأن الناس أصبحوا يقيسون الإيمان بالكراهية، فكل من يحب نبيًا عليه أن يكره الآخر، وأنا أردت أن أقول، لا، الإيمان الصحيح هو أن تحب جميع الأنبياء، لأنهم جميعًا رسل الله.
ويضيف السعدي أنا أكتب من قلب يمني بسيط، أرى في الدين حبًا وسلامًا، لا أرى فيه خصومة ولا تفريقًا، القصيدة جاءت لتكسر هذا الحاجز النفسي بين الديانات.
هذا النوع من الخطاب يجد صداه في مجتمعٍ عاش لقرون طويلة على التداخل الديني والمذهبي، فالمساجد والكنائس واليهود في المدن القديمة، والعادات المتوارثة في الأعراس والمناسبات، كلها شواهد على أن التعايش هو جزء من الهوية اليمنية.
رغم الصورة الراهنة لليمن فإن التاريخ يقدّم دليلًا حيًا على هذا التعايش وظهر ذلك في التراث الشعبي الذي يضم أكثر من مئة نص شعبي يبرز الاحترام المشترك للرسل والرموز الدينية، وهو ما يفسر التفاعل الكبير مع القصائد التي تعيد إحياء هذا الإرث، مثل قصيدة داعس السعدي، بوصفها استعادة لإرث اجتماعي يبحث اليمنيون عن عودته وسط ضجيج الحرب.
ويشير باحثون في التعددية الدينية إلى أن خطاب التعايش في اليمن يشبه تجارب مجتمعات عربية أخرى مثل المغرب ولبنان، حيث شكّلت التعددية الدينية جزءًا من النسيج الاجتماعي والثقافي وتمثّل ممارسة يومية تتيح للمجتمعات التفاعل والعيش المشترك رغم اختلاف الديانة والعقيدة.
لذلك حين تأتي قصيدة من شاعر شعبي لتعيد تذكير الناس بذلك يشعر الكثيرون بأن هناك إرثًا مهملًا يتم إحياؤه من جديد، كما يرى باحثون في الثقافة اليمنية أن الفن وخصوصًا الشعر الشعبي كثيرًا ما تكفّل في لحظات الأزمات بتخفيف الاحتقان وتقديم رسائل بديلة أكثر هدوءًا وإنسانية بعيدًا عن لغة التحريض.
يرى الشاعر والمهتم في الأدب الشعبي رافد البَرّاق أن مثل هذه القصائد تمثل قوة ناعمة لمقاومة خطاب التعصب لأنها تصل إلى الناس بلغة قريبة من وجدانهم.
مضيفًا أن الشعر الشعبي في اليمن يعكس وعي الناس البسطاء الذين غالبًا ما يتسامون فوق الانقسامات العقائدية، بيت واحد من مثل هذه القصائد قد يكون أكثر تأثيرًا من خطبة طويلة في التعايش.
ويؤكد البَرّاق لـ "الأيام" أن أبيات السعدي تعبّر عن جوهر الشخصية اليمنية المتصالحة مع ذاتها والمتسامحة مع الآخر، اليمني بطبعه لا يعادي المختلف عنه بل يحترمه وهذه القيم كانت راسخة في الثقافة الشعبية قبل أن تعبث بها السياسة، مشيرا إلى أن الأدب هنا يتحول إلى أداة مقاومة فكرية ضد الانغلاق، حيث يُذكّر الناس بأن الله واحد والرسل إخوة، والهدف من الأديان جميعها هو الهداية والرحمة.
- دور الفن في نشر التعايش
الشاعر نايف المالكي يقول لـ "الأيام"، إن أبيات الشاعر داعس تحمل معنيين، ديني وهو إننا كمسلمين نحب النبي عيسى مثله مثل محمد وموسى ونوح، والمعنى الآخر وهو أننا نحب عيسى وقومه رغم اختلاف الديانات والعبادات إلا أن الشاعر يؤمن بمبدأ التعايش والاحترام وهذا الذي يحمل مبادئ وقيم التعايش والتأقلم مع الجميع.
ويضيف المالكي أن الشاعر داعس له نظرة ثاقبة وخيال واسع ، إذ يتميز عن غيرة بقوة وعمق الفكرة وبساطة وسهولة الكلمة والمعنى والهدف، وهذا الذي صنع له ولقصائده إقبال واسع من عامة الناس والفنانين وحتى من قبل الشعراء والأدباء انفسهم.
أما الصحفي حاشد الشبلي يصف البعد الإنساني الذي حملته القصيدة وتحليل دلالاتها في سياق التعايش الديني الذي يحتاجه اليمن اليوم أكثر من أي وقت مضى، فالحرب لم تخلق فقط أزمات سياسية واقتصادية إنما ساهمت في تآكل الثقة بين مكونات المجتمع ونشرت خطابًا يركز على التمايزات لا المشترك.
ويقول الشبلي من هنا تأتي أهمية الفن في إعادة بناء الروح العامة، إذ يوفر مساحة للتعبير الحر والمباشر بعيدًا عن الحسابات السياسية، ويعيد للقيم الإنسانية حضورها في حياة الناس، ومن خلال تحليل هذه الأبيات ومقارنتها بالتراث الشعبي الغنائي والشعري، يظهر كيف ظل اليمنيون عبر التاريخ يعبّرون عن تقديرهم لكل الرموز الدينية دون تعصب.
أعادت القصيدة للخطاب الشعبي قدرته على ترميم العلاقة بين الدين والإنسان، بعد أن شوهتها دعوات الكراهية، وأصبحت أكثر تأثيرا من حملات التوعية الرسمية لأنها نابعة من بيئة الناس ولغتهم ومشاعرهم، من خلال مخاطبة الجميع دون تمييز واستخدام مفردات قريبة من الوجدان الجمعي وهذا بالضبط ما تحتاجه اليمن اليوم خطاب إنساني صادق يعيد بناء الجسور ويُذكّر الناس بأن الإيمان محبة قبل كل شيء.
وعلى مستوى التفاعل عبر مواقع التواصل الاجتماعية أثارت القصيدة موجة واسعة من المشاركة، إذ أعاد نشرها مئات الأشخاص من خلفيات سياسية ومذهبية مختلفة، ما يدل على أن اليمنيين ما يزالون قادرين على الالتقاء حول المعنى البسيط الذي يجمعهم، رغم كل التشظي، يقول الناشط الحقوقي نبيل الهمداني أن البعض اعتبر القصيدة استراحة روح وسط ضجيج الكراهية، فيما رآها آخرون رسالة تعيد تعريف التدين بعيدا عن الديانات.
ويضيف الهمداني لـ "الأيام" أن القصيدة كشفت عن حاجة المجتمع اليمني لخطاب يعيد الاعتبار لمعاني السلام، والقبول، ومحبة الرموز الدينية دون تناقض فالإيمان كما تصوره أبيات السعدي مساحة يتجاور فيها الأنبياء بقيم الرحمة والعدل والمحبة وقد كان هذا ما جعل القصيدة تلقى كل هذا الاحتفاء، لأنها ببساطة قالت ما يريده الناس: أن يعيشوا في بلد لا يخاف فيه أحد من معتقده، ولا يُحاكم فيه الناس على محبتهم الرمزية لأي نبي.
وهكذا تؤكد قصيدة داعس أن الشعر الشعبي ما يزال قادرا على لعب دور حيوي في تعزيز التعايش ونشر ثقافة السلام وأن رسالة السعدي تكشف جوهرًا أصيلًا في الروح اليمنية يستحق أن يُعاد إحياؤه وتطويره، فالتعايش ليس شعارًا نظريًا بل ممارسة تُبنى بالكلمة بالصوت وبالفن، وبين كل الضجيج الذي يحيط باليمن اليوم، تبقى هذه الأبيات شهادة على أن المحبة ما تزال ممكنة وأن صوت الإنسان العادي حين يتحدث بصدق قد يكون أقوى من كل أصوات الصراع.



















