> "الأيام" غرفة الأخبار:

أكّد القائم بأعمال السفير الصيني لدى اليمن، شاو تشينغ، أن بكين ترى في محافظات جنوب اليمن وفي مقدمتها عدن وحضرموت والمهرة مناطق ذات أهمية استراتيجية يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في منظومة سلاسل الإمداد العالمية، إذا توافرت شروط الاستقرار السياسي والأمني. وأعرب الدبلوماسي الصيني، في مقابلة خاصة، عن قلق بلاده من التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر، مشددًا على أن استمرار الهجمات على السفن التجارية يمثل تهديدًا مباشرًا للتجارة الدولية ولخطط الربط الاقتصادي التي تقوم عليها مبادرة "الحزام والطريق".

وقال شاو إنه خلال زيارته الأخيرة لمدينة عدن في أغسطس 2025 لمس "تحسنًا اقتصاديًا تدريجيًا" في بعض القطاعات، لكنه شدّد على أن الظروف الإنسانية والمعيشية ما تزال صعبة نتيجة تداعيات الحرب. وأوضح أن الصين تربط عودة مستثمريها ومهندسيها وأطبائها إلى اليمن بتحسّن الأوضاع الأمنية، مضيفًا: "السلام هو الأساس الضروري للتنمية، ولا يمكن لليمن أن يجذب المشاريع الكبرى دون بيئة مستقرة وموثوقة".

وأشار القائم بالأعمال إلى أنه تفقد خلال زيارته مشاريع سبق أن دعمتها الصين، مثل محطة كهرباء عدن ومحطة الحاويات، بالإضافة إلى منشآت تجارية حديثة بينها "عدن مول"، معتبرًا أن هذه النماذج يمكن أن تتوسع إذا عاد الاستقرار السياسي إلى البلاد.
  • الحزام والطريق
وأفاد شاو بأن موقع اليمن — خصوصًا المحافظات الجنوبية المطلة على بحر العرب والبحر الأحمر — يمنحه أهمية متزايدة في حسابات بكين المتعلقة بالتجارة البحرية العالمية. وقال: "يمن مستقر ومزدهر يمكن أن يصبح نقطة لامعة في شبكة التواصل العالمية التي تشيدها مبادرة الحزام والطريق".

وأوضح أن الصين واليمن وقّعتا في عام 2019 مذكرة التفاهم الخاصة بالمبادرة، التي تشمل مجالات واسعة من التعاون: البنى التحتية، النقل، التكامل المالي، التسهيل التجاري، ودعم التواصل بين الشعوب. ولفت إلى أن المبادرة جذبت استثمارات تتجاوز تريليون دولار، وأسهمت في تخفيف الفقر عن نحو 40 مليون شخص، ما يجعل اليمن مرشحًا لمشاريع تنموية ضخمة متى توفرت بيئة آمنة.

وقال إن عدن تمثل ميناءً مهمًا على خط الملاحة بين آسيا وشرق إفريقيا، بينما تمتلك حضرموت والمهرة "مقومات كبيرة للوجستيات والطاقة والربط البري والبحري"، معتبرًا أن هذه المحافظات يمكن أن تلعب دورًا أكثر تأثيرًا في حال إطلاق مشاريع مشتركة في خطوط النقل والموانئ وسلاسل الإمداد.
  • فرص الاستثمار مفتوحة
وأوضح شاو أن الصين تدعم بشكل مباشر دخول المنتجات اليمنية إلى الأسواق الصينية، وأعلنت إعفاءً كاملًا للسلع اليمنية من الرسوم الجمركية، إلى جانب توقيع بروتوكول التعاون الخاص بالمنتجات البحرية وتطوير آليات سلامة الأغذية.

وأكّد أن لدى اليمن "موارد طبيعية هائلة وطاقة بشرية نشيطة"، وأنه قادر على الاستفادة من التجربة الصينية في التصنيع والتصدير، مشيرًا إلى أن بكين تشجّع المصدّرين اليمنيين على المشاركة في معرض شنغهاي الدولي لاستيراد المنتجات.

لكن الدبلوماسي الصيني شدّد على أن تنفيذ مشاريع استراتيجية — مثل خطوط موانئ جديدة أو تطوير البنى التحتية في الجنوب — يتطلب استقرارًا سياسيًا طويل الأمد، مضيفًا: "لا يمكن لأي مستثمر دولي أن يبني خطة في بيئة متقلبة".
  • شريان عالمي لا بديل عنه
وفي معرض حديثه عن التوترات في البحر الأحمر، عبّر شاو عن قلق الصين من الهجمات المتكررة على السفن التجارية، مشددًا على ضرورة وقفها فورًا لأنها تضر بالإمدادات العالمية. وقال: "ممر البحر الأحمر لا يمكن تعويضه. المسارات البديلة عبر رأس الرجاء الصالح مكلفة وتتسبب في إرباك حركة التجارة".

وكشف أن الصين أرسلت منذ عام 2008 أكثر من 48 مجموعة بحرية إلى خليج عدن والمياه الصومالية لحماية أكثر من 7000 سفينة، مؤكّدًا أن هدف بكين هو ضمان أمن الممرات، وليس الدخول في مواجهات مسلحة.

وأوضح أن الصين تعتبر التوترات في البحر الأحمر نتيجة مباشرة لتداعيات صراع غزة، وأن حلها يتطلب تخفيف الاحتقان الإقليمي، مشددًا على ضرورة العودة للحوار السياسي في اليمن.
  • ضغوط دبلوماسية
وأكد شاو أن بلاده نقلت مرارًا رسائل واضحة تطالب بوقف الهجمات على الملاحة الدولية، لكنه لفت إلى أن "المسار السياسي هو الأساس"، وأن الصين تفضّل معالجة المشكلة في سياق التهدئة الإقليمية الشاملة.

وجدد التأكيد على أن الصين "تدعم الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي"، وتتمسك بوحدة اليمن وسيادته، مشيرًا إلى أن بكين تتواصل مع جميع الأطراف اليمنية بهدف دعم الحل السياسي، لكنها لا تعترف بأي تغييرات تُفرض بالقوة.

ونفى المسؤول الصيني الاتهامات الغربية المتعلقة بدعم الحوثيين أو تزويدهم بأي معدات عسكرية، مؤكدًا أن بكين تلتزم بقرارات مجلس الأمن وبسياسة صارمة في تصدير المواد الدفاعية أو مزدوجة الاستخدام.

وتناول شاو الموقف من العمليات العسكرية الأميركية والبريطانية في البحر الأحمر، مشيرًا إلى أنها "أسهمت في زيادة التوتر وعرقلة جهود السلام"، داعيًا إلى احترام سيادة اليمن وتجنب استخدام القوة بطريقة تزيد الوضع تعقيدًا.
  • دور سعودي إيراني مدعوم من الصين
وأشار الدبلوماسي الصيني إلى أن استعادة العلاقات بين الرياض وطهران — بدفع ورعاية مباشرة من بكين — أعادت فتح صفحة جديدة أمام حل النزاع في اليمن. وقال إن اللجنة الثلاثية الصينية–السعودية–الإيرانية تواصل دعم الحل السياسي في اليمن وفق المرجعيات الدولية.

وأكد أن الصين ترى أن دول المنطقة، وخاصة السعودية والإمارات، تلعب أدوارًا رئيسية في استقرار اليمن.
  • القضية الجنوبية
وعن تعامل بكين مع الأطراف الجنوبية، قال شاو إن الصين تبقى منفتحة على التواصل مع الجميع، لكنها متمسكة بدعم وحدة اليمن وسيادته كإطار للحل السياسي، مؤكّدًا أن معالجة "القضايا الحساسة"، بما فيها القضية الجنوبية، يجب أن تتم عبر الحوار وبرعاية الدولة.

قال شاو إن السفارة الصينية مستعدة لاستئناف وجودها في عدن "حين تسمح الظروف"، موضحًا أن الخدمات القنصلية متاحة لليمنيين عبر السفارات الصينية في دول الجوار.

وختم شاو بأن الصين ستواصل لعب دور "الوسيط الصادق" في الملف اليمني، وستبقى شريكًا للتنمية وداعمًا للاستقرار، مشيرًا إلى أن بكين تعزز تعاونها مع اليمن ضمن المبادرات العالمية الأربع ومبادرة الحوكمة العالمية، وتفتح آفاقًا جديدة أمام التنمية المشتركة في إطار الخطة الخمسية الصينية المقبلة.