عانت حضرموت على وجه الخصوص والجنوب عموما لعقدٍ من الزمن منذ أن اجتاح التحالف الإرهابي المتمثل في مليشيات القاعدة والحوثيين عام 2015 وعبث بثرواتها وأمنها محولًا الوادي والصحراء إلى ملاذٍ آمن لعصابات تهريب المخدرات والأسلحة تحت حماية مليشيات الإخوان المسلمين وألويتهم المنتشرة في المنطقة. لقد بلغ العبث مداه حيث أصبحت تلك القوات بمثابة الرئة التي تتنفس منها المليشيات الحوثية ما ساهم في تمددها يومًا بعد يوم على الرغم من الاتفاقيات والتفاهمات التي نصت على سحب الأسلحة الثقيلة من الوادي والصحراء ونقل تلك القوات إلى جبهات المواجهة في مأرب والجوف. ولكن بدلًا من ذلك ظلت تلك القوات تتحفز للانقضاض على الجنوب مشكلةً أداةً بيد جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية وأذرعها من القاعدة وداعش.

هذا الوضع عزز من قوة الحوثيين ومكّنهم من التفرغ لمهاجمة مناطق الجنوب في اكثر من جبهة في الضالع وشبوة ويافع وطور الباحة ولحج بل تجاوز ذلك إلى بث رسائل تهديد ووعيد لدول الجوار.

لم تكن معركة تطهير حضرموت من هذه القوات الغازية حدثًا عابرًا أو وليد المصادفة بل كانت قرارًا جنوبيًا تأخر تنفيذه ومطلبًا شعبيًا حضرميًا منذ زمن. فالقوات التي تموضعت في المنطقة بعد اجتياح 1994 من قبل قوات الاحتلال اليمني ومليشيات التحالف القبلي اليمني والأفغان العرب أظهرت على مدى عقود أن وجودها كان جزءًا من مشروع تخريبي يستهدف الجنوب ووجوده. لذلك كان لا بد من الحسم وكشف الخلفيات الحزبية لهذه القوات والدور التأمري الذي أدته.

اليوم وبعد تطهير حضرموت من بقايا جماعات الإخوان الإرهابية التي أسقطت الأقنعة عنها في أكثر من بلدٍ عربي يقف الجنوب بمختلف قواه السياسية على أرضٍ صلبة تتطلب إعادة صياغة العملية السياسية برمتها. من المهم التأكيد أن الحديث عن إعادة صياغة سياسية تعالج مخلفات الاحتلال اليمني وحربي 1994 و2015 لم يعد خيارًا بل ضرورة لتجنب المزيد من الويلات والدمار الاقتصادي والاجتماعي. لو تم اتخاذ هذه الخطوة بعد انتصارات 2015 لكان بالإمكان تجنب كثير من المآسي التي عصفت بالجنوب أرضًا وإنسانًا خلال هذا العقد الزمني البائس.

الإخفاقات السياسية والاقتصادية التي يعيشها الجنوب اليوم لم تكن وليدة اللحظة بل هي نتيجة حتمية لمقاربات سياسية غير واقعية أغفلت الأسباب الحقيقية التي أدت إلى النزاعات والحروب المستمرة على مدى العقود الثلاثة الماضية. بدلًا من معالجة الصراع الجوهري بين الشمال والجنوب ركزت العملية السياسية على تسويات سطحية بين أطراف شمالية متصارعة مثل قوات قبائل سنحان ومليشيات الإخوان المسلمين والحوثيين. هذا التجاهل لحقيقة أن الصراع هو صراع شمالي-جنوبي أدى إلى تفاقم الأزمات وتعميق معاناة شعب الجنوب وإطالة أمد الحرب.

اليوم بات من الواضح أن الحلول السياسية التي تم تبنيها سابقًا لن تحقق النجاح ما لم تستند إلى الاعتراف بحقيقة الصراع الجنوبي-الشمالي. إعادة صياغة العملية السياسية على هذا الأساس الواقعي والمتين هي المفتاح لحل المعضلات المزمنة وخلق بيئة آمنة ومستقرة. هذا سيؤدي إلى وقف التدهور الاقتصادي وتوجيه الموارد نحو بناء المؤسسات الخدمية ومحاربة الفساد وتلبية احتياجات المواطنين من خدمات أساسية.

لم يعد هناك شك في أن فشل كل العمليات السياسية بدءًا من صياغة وتوقيع وثيقة العهد والاتفاق مرورًا بحوارات مؤتمر "موفمبيك" والمبادرة الخليجية واتفاقات الرياض كان نتيجة بناءها على أسس هشة ووهمية. تجاهل حقيقة الصراع الجنوبي-الشمالي جعلها عاجزة عن تقديم حلول مستدامة. لذا فإن إعادة بناء العملية السياسية وفق هذا الأساس ستؤدي إلى تعزيز الاستقرار في الجنوب كمدخل لحلة الأزمة برمتها وحماية المنطقة من التدخلات الخارجية التي تستهدف ثرواتها وكيانها. فقط بهذه الرؤية الواقعية يمكن حلّ المعضلات المزمنة وبناء بيئة آمنة ومستقرة تجنب ليس فقط الجنوب العربي واليمن بل الجزيرة والخليج ويلات الحروب والتجاذبات الخارجية التي تهدد أمنها وسيادتها واستقرارها وتؤسس لمرحلة جديدة من التنمية والتعاون والشراكة بين جميع دولها وشعوبها.