جعبة الانتقالي مليئة بالمفاجآت السارة، وقد أثبتت أحداث اليومين الماضيين وما تلاها قدرة المجلس الانتقالي الجنوبي على إبراز أوراقه الرابحة في اللحظة التي تستدعي الحاجة لذلك.

في خضم التحولات المتسارعة التي يعيشها الجنوب، تشتد الحاجة إلى موقف وطني واعٍ، يُبنى على قراءة دقيقة لموازين القوى، لا على الانفعالات العابرة أو الأماني الرغبوية.

ومن هذا المنطلق، يصبح الوقوف مع المجلس الانتقالي الجنوبي ليس مجرد خيار عاطفي أو اصطفافًا سياسيًا، بل نتيجة طبيعية ومنطقية لإدراكٍ عميق لطبيعة المرحلة، ولما يقتضيه المشروع الوطني الجنوبي.

أولًا: الواقعية السياسية وتبدّل موازين القوى

ما شهدته حضرموت والمهرة خلال اليومين الماضيين من تحريرٍ كامل لبقايا غزاة حرب 1994م، لم يكن حدثًا عابرًا، بل نقطة تحوّل كبرى أعادت رسم الخارطة السياسية والميدانية في الجنوب. وجاء هذا الحدث ردًّا عمليًا على كل التخرصات والتشكيك وسيل الإشاعات المغرضة التي يبثها الإعلام المعادي للجنوب بغرض النيل من رافعته السياسية. فقد كشف هذا الانتصار حقيقة يراها الجميع ولا يمكن إنكارها: أن المجلس الانتقالي الجنوبي اليوم هو القوة الأكثر حضورًا وتأثيرًا وتنظيمًا، قوة تمتلك الإمكانات والقرار والدعم الإقليمي والدولي الذي يجعلها اللاعب الجنوبي الأقدر على حماية المكاسب وفرض إرادة شعبه.

وتجاهل هذه الحقيقة أو محاولة القفز فوقها ليس من الحكمة، بل من المكابرة التي لم تعد تصلح في زمن تتغيّر فيه الوقائع على الأرض بسرعة تفوق قدرة الخطابات القديمة على اللحاق بها.

ثانيًا: وضوح الهدف وصِدق المشروع

الميزة الجوهرية للانتقالي أنه لا يوارب ولا يتلوّن. هدفه معلن بوضوح: استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة. ومن يراجع مسار السنوات الماضية يدرك أن هذا الوضوح لم يكن شعارًا، بل منهجًا موجّهًا لكل خطواته. نعم، هناك أخطاء واختلالات تحتاج إلى تصحيح، لكن جوهر المشروع ظل ثابتًا لا تهزّه العواصف ولا المناكفات.

وعلى شعب الجنوب اليوم أن يلتقط هذه اللحظة التاريخية ليؤازر هذا النصر بمزيد من التلاحم الجنوبي. فكل ما تحقق في حضرموت والمهرة لم يكن إلا ثمرة الالتفاف الشعبي والرسوخ في الموقف.

ثالثًا: حماية وحدة الصف الجنوبي واجب وطني

في كل منعطف تتضح هشاشة أعداء الحق الجنوبي. لكن التحدي الأخطر لم يعد قادمًا من الخصوم فقط، بل من الخطاب المناطقي والتحريض الذي يسعى إلى شق الصف وتشويه الرموز، خدمة — بقصد أو بغير قصد — لتلك القوى التي خسرت نفوذها في حضرموت والمهرة وتبحث عن ثغرة تعيدها إلى المشهد. النقد البنّاء ضرورة، أما التشكيك والتحريض فطعنة في خاصرة الجنوب في لحظة يتقدم فيها بثبات نحو استعادة قراره.

رابعًا: المرحلة تحتاج رافعة سياسية قوية

هذه اللحظة المفصلية لا تقبل الفراغ ولا تحتمل التجارب. الجنوب بحاجة إلى قيادة سياسية تمتلك الشرعية الشعبية والحاضنة الجماهيرية، وتستند إلى قوة ميدانية أثبتت قدرتها على كل ساحة الجنوب. وهذه الرافعة قائمة بالفعل: المجلس الانتقالي الجنوبي. دوره اليوم ليس تمثيل الجنوب فحسب، بل قيادة مشروعه نحو تثبيت الدولة المنشودة عبر التفاوض من موقع قوة لا ضعف.
  • مسك الختام
إن الوقوف مع المجلس الانتقالي الجنوبي هو وقوف مع الأرض التي تتحرر أمام أعيننا، ومع الانتصار الذي يصنعه أبناء الجنوب في حضرموت والمهرة كما صنعوه في الضالع، عدن، لحج، أبين، سقطرى، وشبوة، ومع المشروع الوطني الذي يخطو خطواته الأكثر ثباتًا منذ ثلاثة عقود. ليس اصطفافًا أعمى، بل خيار وطني رشيد، يدرك أن الجنوب لن ينهض إلا بوحدته السياسية والميدانية، تحت راية مشروع واضح، ورجال آمنوا بقضيتهم ودفعوا ثمنها… ولا يزالون.