بين الهدوء المتسم بالوجوم والصمت الحذر المتسم بالذهول فما يجري على الأرض بدأ للكثيرين كما لو انه حدثا ليس كبيرا فقط ولكنه حدثًا مذهلًا يعيد محو صورة في الأذهان ترسخت لدى البعض كان الاعتقاد أن محوها يعتبر نوع من المستحيل بينما نظر لها البعض من منظار العارف بيقين السياسة وتحولاتها إذ لا ثابت بعالم السياسية غير شيئين:

أولا: تغير موازين القوى على الأرض بين أطراف القوة على أرض المعركة.

ثانيا: تغير مفهوم معنى ومعايير المصالح التي يتم الدفاع عنها وما يحيط بها من مستجدات ومؤثرات.

هذان العاملان لا يتشكلا فجأة لكن ما يجري على الأرض من تغيرات كمية ونوعية حاكمة للمصالح تدفع تلقائيا لهذا الطرف أو ذاك أن رأى أن اتجاه الرياح تعاكس مصالحه مما يدفعه بقوة لإعادة حساباته

ما جرى ببلادنا بالضبط لا يخلو من ذلك لأنه مع الأسف الشديد كان بلدًا مأسورًا ورهينة لعوامل ليس هو من يديرها أو يتحكم بمسارها بل كان يشكل أضعف حلقة فيها لعدة أسباب جوهرية هي:

1) هو بلد ممزق الأوصال.

2) لا يمتلك قراره السيادي هو مجرد تابع وتحكمه صراعاته الداخلية التي تتغول على مفاعيل سيادته إما لأنها ممزقة أو موزعة بين أطراف متنازعة حتى الموت ناهيك عن أنها لا تمتلك إرادة قوة موحدة أي جيش وطني حقيقي.

3) موارده مستلبه فسادًا وخرابًا وسوء إدارة وتنازع سلطات متعددة.

4) إرادة البلد السياسية كانت وما تزال تحت الوصاية من ناحيتين:

وصاية دولية تحت البند الفصل السابع.

ووصاية جوار قريب السعودية والإمارات. ووصاية أبعد إيران.

هذا إلى جانب أن حالة البلد السياسية المنهارة سياسيًّا واقتصاديًّا وإداريًّا لأكثر من عقدين من الزمن كانت باهتة ممزقة أضعف بنيانها الوطني وأودى بها لشتات ممزق خاصة بعد انفراط عقد وحدة البلاد بعد حرب 94 مما أدى إلى تشتت وضعف القرار الوطني الموحد وبات أكثر من جيب ينخر بجسد كيان ممزق على الأرض تتلاعب به مجاديف قوى بعضها بل اغلبها ممن استحوذوا على مصادر الثروة والقوة تأريخيا لم يتبقى على الأرض سوى هيكل متهالك لا يمت لمفهوم الدولة بصلة هيكل متناقض مرهق مثقل بأعباء هيكلية لا تصلح لأن تشكل كيانا وطنيا حانت أمامه فرصة تاريخية حقيقية تمثلت بمؤتمر الحوار الوطني الشامل لكن تم وده في مهده لأن هدفه التاريخي ببناء دولة مواطنة حقيقية يتناقض بالمطلق مع مفهوم ومصالح ومراكز القوى التي حكمت وتحكمت بالثروة والقرار ورأت بالمؤتمر خروجا على حق الهي أو بتعبير اخف حق لا يمكن التنازل عنه إلا بشروط لا تتوفر ولن يسمح بتوفيرها تلك هي الخليفة المظلمة كانت سببا لفشل مشروع الوحدة اليمنية كما أنها تمثل خلفية وعمق وراء ما يجري اليوم ببلادنا المفتقد لسيادته المطلقة الموزعة بين قوى حرصها على أنانية مصالحها الضيقة تتجاوز مصالح الجمهورية اليمنية المصادرة سواء من الانقلاب بصنعاء أو بسبب ضعف وارتهان الشرعية لما يملئ عليها من الأوامر وفق مصالح طرفي التحالف وغالبًا ما تكون في غير صالح اليمن الضعيف الممزق ضمن هكذا وضع بتاتا لم يأتي من فراغ لكنه كان نتاج تراكم وإخفاقات متتالية من حين تم الانقضاض على مؤتمر الحوار الوطني وما تلاه من ما سمى بعاصفتي الحزم والأمل وكلاهما تبخرا دونما أثر عدا الأمور التالية:

انفراط عقد ما تبقى من رمز هزيل للجمهورية اليمنية حين تمت إزاحة رئيس يفترض أنه شرعي وتشكيل مسمى بديلا له لا يمتلك شرعية وطنية.

ثانيا: لم يحسم طيلة الفترة السابقة أي من أمور الانقلاب على الدولة التي قامت الحرب على أساسها ولم تجر على الأرض معارك حقيقية بل ما حصل كان مثارا للتساؤلات حتى الآن لما قامت الحرب ولما أطيح بعبدربه.

ثالثا: ظل ملف القضية الجنوبية مرهونا بكلام معلق بالهواء حتى اتفاق الرياض كان مجرد لوغاريتم يحتاج إلى خوارزميات لم تكن ببال أحد لكن القضية الجنوبية على أرض الواقع كانت لها مفاعيل يدرك قوتها على الأرض من يرى بأن أي حل لمشكلة اليمن لا تكون على حساب القصية الجنوبية ولن تحل مشكلة اليمن دون حل حقيقي للقصية الجنوبية كل الأمور ظلت معلقة ورهنًا بتوازنات قوى داخليًّا وإقليميًّا ناهيك عن سطوة العامل الخارجي مثلث الأضلاع أقواه ما تقرره أمريكا كما حصل حين صنفت جماعة الإخوان مؤخرًا أو موقف ببريطانيا صاحبة الإرث التاريخي الطويل في الجزيرة والخليج ولن تميل عنه قيد أنملة إلى جانب الدور الإيراني المتشعب مع الخليج وتواجده بالساحة اليمنية ممثلا بالوضع القائم حاليا بصنعاء ولا ننسى ما تلعبه سلطنة عمان من أدوار لا غياب للأطراف أعلاه عن أي تحركات لها وفي كل هذه الدوامة كانت بلادنا هي الحلقة الأضعف ولا تأثير لقرارها المصادر لذا فإن ما يجري اليوم هو ترجمة لكل ذلك وعليه نستطيع القول

هكذا ظلت بلادنا تدار من خارجها وتمت شرذمتها على الأرض فرقا وشيعا وأطرافا تتنازع للأسف كان وما زال أضعفها ما خدعونا بتسميته بالشرعية وفق قرار الأمم المتحدة التي عمرها من حركت ذبابة عدا موفدييها يأتون يذهبون تماما كما كانت تفعل الشرعية ذهابًا وإيابًا بين عدن الرياض أبو ظبي ولم يلتقوا ولو مرة واحدة جميعهم كمجلس رئاسي بالمكلا أو تعز أو مأرب أو لكن.... الصيف ضيعتي اللبن

لذا ما يجري اليوم لم يكن مستبعدًا وليس مستغربًا أيضًا هناك قضية جنوبية بحاجة لحل كنا نتمنى أن تحل وطنيا لكن فاقد الشيء لا يعطيه ونسأل هل لا يزال متاحًا حيز من الوقت لتجنب المزيد من إراقة الدماء

لا مفر من امتلاك الجنوب قراره السيادي.

حياة الشعوب ليست لعبة بيد تجار الدين والحروب تسوية مصالح الناس في اليمن كلها بعيدًا عن الحرب والاحتراب أفضل أفضل بكثير من حالة الحرب والشتات وإثارة الضغائن يدفع ثمنها بسطاء الناس ويتاجر بدمهم تجار الحروب وملاك قطاعات النفط من رموز ما كانت حقا وحدوية لكن كانت تتاجر بالوطن باسم الوحدة.