> «الأيام» غرفة الأخبار:

  • مختصون: الانتقالي صاحب مشروع واضح ولا علاقة لتحركاته بصراع النفوذ
> تشير ردود الأفعال والمواقف الدولية من تحركات القوات الجنوبية والمجلس الانتقالي.. إلى ملامح تفهم دولي لقضية الجنوب وحق الجنوبيين بتقرير مصيرهم، إضافة إلى إدرارك لمخاطر فرض الوحدة على الشعب الجنوبي بالقوة.

وكشفت ردود الفعل الصادرة عن القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، عن ملامح مسار دبلوماسي جديد يتّسم بالحذر الإيجابي تجاه التحركات الأخيرة للمجلس الانتقالي الجنوبي، مع تجنّب واضح لأي إدانة مباشرة أو حتى تلميح سلبي بشأن الإجراءات التي اتُخذت على الأرض.

وجاء البيان الأخير للسفارة الأمريكية في اليمن ليؤكد هذا التحول، حيث اكتفى بالإشارة إلى دعم "الحكومة اليمنية والمجلس الرئاسي" مع الدعوة العامة إلى "خفض التصعيد"، دون أي ذكر صريح لتحركات المجلس الانتقالي الجنوبي.

الأهم من ذلك، أن البيان غاب عنه لأول مرة التعبير البروتوكولي التقليدي المتعلق بـ”الحفاظ على وحدة اليمن"، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرًا قويًّا على ليونة في الموقف الأمريكي وتغيّر في الأولويات.

من جهتها اكتفت السفيرة البريطانية بوصف اجتماعها مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي بأنه "جيد جدًا"، دون أن تتطرق بأي عبارة دبلوماسية إلى رفض أو إدانة إجراءات المجلس الانتقالي، رغم التقارير التي تحدثت عن شكوى رسمية رُفعت بهذا الشأن.

ويرى محللون أن هذا الصمت لا يمكن فصله عن رغبة لندن في ترك هامش مرن للتعامل مع الواقع الجديد على الأرض في الجنوب.

إقليميًّا، بدا الموقف أكثر حيادية، إذ لم يصدر عن المملكة العربية السعودية أي بيان رسمي يعبّر عن رفض أو إدانة للتحركات العسكرية في المهرة وحضرموت، ما اعتبره مراقبون إشارة ضمنية أخرى على تفهّم طبيعة التحركات الجنوبية في إطار الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن العالم بات أكثر إدراكًا لمخاطر إبقاء الجنوب في إطار وحدة مفروضة بالقوة، وسط تنامي القناعة الدولية بأن الاستقرار الحقيقي يمر عبر الاعتراف بإرادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، وليس عبر فرض صيغ سياسية لم تعد قابلة للحياة ميدانيًّا.

وتعزو مصادر مطلعة هذا التحول إلى مسار دبلوماسي منظم يقوده رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عبر تنسيق عالي المستوى مع الفاعلين الإقليميين والدوليين، حيث تمكن المجلس من إيصال رسائله بوضوح حول طبيعة تحركاته وأهدافها المرتبطة بحماية الأمن ومكافحة الإرهاب وتأمين المؤسسات السيادية، بما ينسجم مع المصالح الدولية في استقرار المنطقة.

ويؤكد مختصون بالشأن اليمني أن هذه المؤشرات تمثّل بداية تحول حقيقي في النظرة الدولية للقضية الجنوبية، وانتقالًا تدريجيًّا من منطق إدارة الأزمة إلى التعامل الواقعي مع مطالب شعبية متجذرة، في واقع ميداني جديد تفرضه موازين القوى العسكرية على الأرض.

وتقول دوائر متخصصة بالصراعات أن بعض الأطراف السياسية والإعلامية تتعمد اختزال تحركات الانتقالي الجنوبي والقوات المسلحة الجنوبية في إطار "صراع نفوذ إقليمي" أو "تنفيذ أجندات خارجية"، معتبرة أن هذا "توصيف يفتقر إلى الدقة ويتجاهل جذور المسألة الجنوبية بوصفها قضية سياسية وطنية واضحة المعالم، وليست نتاج لحظة إقليمية عابرة أو حسابات نفوذ آنية".

فالجنوب، وفقا لتلك الدوائر، يعيش منذ حرب 1994، واقعاً سياسياً يمكن توصيفه إلحاق قسري بالقوة العسكرية أي احتلال مكتمل الأركان، وما تلا ذلك من إقصاء ممنهج للكادر السياسي والإداري، وتفكيك لمؤسسات الدولة الجنوبية، وطمس للهوية السياسية التي تشكلت عبر عقود. ومن هنا، فإن توصيف التحركات العسكرية الجنوبية في حضرموت والمهرة أنها امتداد لصراعات إقليمية هو قفز على حقيقة جوهرية مفادها أن هذه التحركات تستند إلى مشروع سياسي مُعلن يقوم على استعادة الدولة، لا خدمة أجندات خارجية.

الأهم من ذلك أن الوقائع على الأرض تدحض هذه المزاعم، فالقوات الجنوبية أثبتت خلال السنوات الماضية أنها الفاعل الأكثر حضوراً وتنظيماً في مواجهة التحديات الأمنية، ونجحت في تحقيق اختراقات نوعية ضد جماعة الحوثي، وكذلك في تفكيك شبكات الجماعات الإرهابية العابرة للحدود في أبين وشبوة وحضرموت. هذه النتائج لم تخدم مصالح إقليمية ضيقة بقدر ما عززت الأمن المحلي والإقليمي، وهو ما يجعل الجنوب اليوم رقماً صعباً في معادلة أمن البحر العربي وخليج عدن والمنطقة بأسرها.

محاولات القفز على الإرادة الشعبية الجنوبية عبر شيطنة المشروع السياسي الجنوبي لا تفضي إلا إلى مزيد من التأزيم وإشعال بؤر صراع جديدة، فالتجارب التاريخية تؤكد أن تجاهل مطالب الشعوب، أو محاولة إعادة إنتاج واقع مفروض بالقوة، يفتح الباب أمام دورات متجددة من العنف وانعدام الاستقرار، لهذا فإن الرواية التي تصف تحركات الانتقالي بأنها "وكالة" عن أطراف خارجية ماهي إلا محاولة لتزييف الوعي، أكثر منها قراءة موضوعية للواقع. خلاصة المشهد أن الصراع في الجنوب ليس صراع نفوذ بالوكالة، بل صراع إرادة سياسية لشعب يسعى لاستعادة دولته، وأن مغادرة بعض المسؤولين ليست نتيجة طرد، بل انعكاس لانهيار صيغة سياسية أثبتت عجزها عن إنتاج دولة مستقرة.

ومع استمرار تماسك الجبهة الجنوبية وسيطرتها الفعلية على الأرض، تتقلص تدريجياً قدرة الخطاب المضاد على تسويق روايات بديلة، وتبقى الحقيقة الأوضح أن أي استقرار في المنطقة لن يتحقق إلا عبر احترام إرادة الشعوب، لا عبر مصادرتها أو تشويهها.