أثار خبر اجتماع اللجنة الثلاثية السعودية– الإيرانية – الصينية في طهران، وما تضمّنه من إشارات عامة إلى دعم الحل السياسي في اليمن برعاية الأمم المتحدة، موجةً من القراءات المتعجلة والتأويلات المتفائلة حدّ الإفراط، ذهب بعضها إلى حد توصيفه بوصفه"اتفاقًا دوليًا جديدًا" على مستقبل اليمن، أو إيذانًا بانفراج سياسي وشيك، قد يفضي – وفق هذه القراءات – إلى أن تضع الحرب أوزارها في عام 2026.

غير أن القراءة المتأنية، المتحررة من ضغط التمنيات ومنطق الإسقاط، تفرض إعادة هذا الخبر إلى حجمه الحقيقي، وفهمه في سياقه الدبلوماسي الأوسع، بعيدًا عن تحميله ما لا يحتمل من دلالات أو استنتاجات.
  • ماذا قيل فعليًا… وماذا لم يُقَل؟
البيان الصادر عن الاجتماع الثالث للجنة متابعة “اتفاق بكين” لم يخرج – في جوهره – عن اللغة الدبلوماسية المألوفة: إشادة بتطور العلاقات السعودية – الإيرانية، تأكيد على دور الصين كراعٍ للتقارب، دعوة للحوار الإقليمي، مواقف سياسية عامة من قضايا المنطقة، وبند تقليدي يدعم"الحل السياسي الشامل في اليمن برعاية الأمم المتحدة".

هذه الصياغة – رغم أهميتها الرمزية – لا تتضمن أي جديد نوعي: لا آليات تنفيذ، ولا جدولًا زمنيًا، ولا تحديدًا لطبيعة الحل، ولا التزامات صريحة من أي طرف، وبخاصة من إيران، تجاه كبح سلوك حلفائها في اليمن.
  • بين المواقف المعلنة وحدود التحوّل السياسي
الحديث عن تحوّل جوهري في المواقف الإقليمية تجاه اليمن يظل سابقًا لأوانه. فالمملكة العربية السعودية أعلنت منذ سنوات دعمها الواضح لحل سياسي شامل وفق المرجعيات الثلاث، وما ورد في بيان طهران لا يتجاوز هذا السقف المعلن، ولا يشكّل انتقالًا إلى صيغة بديلة.

في المقابل، تظل الفجوة قائمة بين الخطاب الإيراني الداعم للحل السياسي، والسلوك العملي على الأرض، حيث يستمر التصعيد الحوثي في البحر الأحمر، وتتواصل عسكرة السواحل والممرات الدولية، بما يؤكد أن اللغة الدبلوماسية لا تزال منفصلة عن حسابات النفوذ.
  • المرجعيات الثلاث… الإطار الوحيد لتسوية عادلة
تكمن أهمية المرجعيات الثلاث في كونها الإطار الوحيد الذي يجمع بين الشرعية القانونية، والتوافق الوطني، والاعتراف الدولي. فهي تمثل عقدًا سياسيًا تراكميًا يضمن وحدة اليمن وسيادته، واحتكار الدولة للسلاح، وشراكة سياسية عادلة، ومعالجة جذور الصراع لا أعراضه.

وأي تسوية تتجاوز هذه المرجعيات، أو تحاول الالتفاف عليها تحت عناوين"الواقعية السياسية" أو "التوازنات الجديدة"، إنما تفتح الباب لإعادة إنتاج الصراع بصيغ أكثر هشاشة، وتمنح الأمر الواقع شرعية لا يستحقها.
  • الصين والتهدئة الإقليمية: رعاية للاستقرار لا لصياغة الحلول
تلعب الصين دورًا مهمًا في خفض التوتر الإقليمي انطلاقًا من مصالحها في أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة، لكنها لا تخوض في التفاصيل المعقدة للصراعات الداخلية، ولا تملك أدوات ضغط حقيقية على أطراف النزاع اليمني، ما يجعل دورها تيسيريًا سياسيًا أكثر منه وساطيًا تفصيليًا.
  • خاتمة مفتوحة: بين خطر الصفقة الإقليمية ومسؤولية الداخل اليمني
القلق الحقيقي لا يكمن في البيانات بحد ذاتها، بل في الفراغ الذي قد تملؤه. فحين يكون الأداء السياسي للقيادة الشرعية مرتبكًا على كل الأصعدة: الاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية والدبلوماسية، وغير متناغم، ومفتقرًا إلى رؤية تفاوضية موحدة، تتزايد مخاطر تمرير تسوية تُصاغ خارج الداخل اليمني وتُقدَّم بوصفها صفقة إقليمية لا تعكس تطلعات اليمنيين.

وبما يجعلها، في أحسن الأحوال، خطوة لترحيل الأزمة لا حلّها، وتأجيل انفجار الصراع إلى منعطف لاحق. أما التسوية السياسية المنصفة، فستظل رهينة نضج التوازنات ووضوح الإرادات، وتمسّك اليمنيين بمرجعياتهم كحد أدنى للسلام العادل، وإدراك أن وقف الحرب لا يعني بالضرورة صناعة السلام.

ويبقى السؤال مشروعًا، بل واجبًا: من الصين عبر طهران والرياض… هل أتاكم حديث التسوية؟

أم أننا ما زلنا في طور التمهيد، لا الوصول؟