يمرّ الجنوب اليوم بمرحلة دقيقة ومفصلية، لم تعد تحتمل الخطاب الانفعالي ولا السجالات الاستهلاكية، بقدر ما تحتاج إلى وضوح في الرؤية وترتيب صارم للأولويات. فالقضية الجنوبية، بعد سنوات طويلة من النضال والتضحيات، انتقلت من مربع إثبات الوجود إلى مربع إدارة المرحلة وصناعة المستقبل، وهو انتقال يفرض مسؤوليات مضاعفة على القيادات السياسية والمؤسسات، وعلى المجتمع الجنوبي بمختلف مكوّناته.
خلاصة القول، إن أولويات الجنوب في هذه المرحلة يمكن اختصارها في معادلة واضحة:
حماية المكتسب السياسي، تثبيت الأمن، إدارة الشراكة بوعي، بناء المؤسسات، تحسين حياة الناس، وتوحيد الخطاب.
ومن دون هذا الترتيب العقلاني للأولويات، فإن أي حديث عن المستقبل سيظل مجرد أمنيات.
الجنوب اليوم أقرب إلى هدفه أكثر من أي وقت مضى، لكن الاقتراب من الهدف لا يعني الوصول إليه. الوصول يحتاج إلى عقل بارد، وقرار مسؤول، وإدارة واعية للمرحلة… وهي التحديات الحقيقية التي ستحدد شكل الجنوب القادم.
أولوية الجنوب في هذه المرحلة تتمثل، أولًا، في حماية المكتسب السياسي الذي تحقق بوجود حامل سياسي معترف به إقليميًا ودوليًا، وبشراكة واضحة في مراكز القرار. هذا المكسب لم يكن منحة، بل ثمرة نضال طويل، وأي تفريط فيه أو استهتار بإدارته سيعيد القضية إلى مربعات استنزاف سابقة تجاوزها الواقع. المطلوب اليوم هو تثبيت هذا الحضور، وتحصينه قانونيًا وسياسيًا، وتوحيد الخطاب الجنوبي أمام الخارج.
الأولوية الثانية هي الحفاظ على الأمن والاستقرار بوصفهما شرطًا أساسيًا لأي مشروع سياسي. الجنوب أثبت، رغم التحديات، أنه أكثر مناطق الإقليم قدرة على فرض الاستقرار النسبي، وهذا العامل هو ما جعل صوته مسموعًا دوليًا. أي انزلاق نحو الفوضى أو الصراعات الجانبية لن يخدم سوى خصوم القضية الجنوبية، وسيمنح الآخرين ذريعة للطعن في أهلية الجنوب لإدارة شؤونه ومستقبله.
أما الأولوية الثالثة فتتمثل في إدارة العلاقة مع الشراكة القائمة بواقعية سياسية، دون أوهام ولا تنازلات تمس جوهر القضية. الشراكة ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لإدارة مرحلة انتقالية معقدة. ومن الخطأ التعامل معها بمنطق التبعية، كما أن القطيعة غير المحسوبة قد تكلّف الجنوب أثمانًا سياسية واقتصادية لا ضرورة لها. الحكمة تقتضي الجمع بين الثبات على الهدف والمرونة في الوسائل.
ولا تقل أهمية عن ذلك أولوية بناء المؤسسات الجنوبية، إداريًا وقانونيًا وخدميًا. فالقضية العادلة لا تنتصر بالخطاب وحده، بل بقدرة مؤسساتها على خدمة الناس وإدارة شؤونهم اليومية. المواطن الجنوبي اليوم لا يقيس النجاح بالشعارات، بل بمدى تحسن حياته، وانتظام الخدمات، وسيادة القانون. هذه المعركة، وإن بدت خدمية، هي في جوهرها معركة سياسية بامتياز.
وفي صلب الأولويات أيضًا تأتي إدارة الخطاب الإعلامي والسياسي. الجنوب بحاجة إلى خطاب عقلاني، موحد، يعكس عمق القضية وعدالتها، بعيدًا عن لغة التخوين والمزايدات. فالمرحلة لا تحتمل صراعات داخلية أو شيطنة متبادلة، بل تتطلب حدًا أدنى من التماسك الوطني الجنوبي، واحترام التنوع في إطار الهدف الواحد.
ولا يمكن الحديث عن أولويات المرحلة دون التوقف عند الملف الاقتصادي والمعيشي. فالتحديات الاقتصادية الخانقة تمثل أحد أخطر التهديدات للاستقرار الاجتماعي والسياسي. معالجة هذا الملف، ولو بحدوده الممكنة، ضرورة وطنية، لأن الجوع واليأس أخطر على القضايا من الخصوم السياسيين.
حماية المكتسب السياسي، تثبيت الأمن، إدارة الشراكة بوعي، بناء المؤسسات، تحسين حياة الناس، وتوحيد الخطاب.
ومن دون هذا الترتيب العقلاني للأولويات، فإن أي حديث عن المستقبل سيظل مجرد أمنيات.
الجنوب اليوم أقرب إلى هدفه أكثر من أي وقت مضى، لكن الاقتراب من الهدف لا يعني الوصول إليه. الوصول يحتاج إلى عقل بارد، وقرار مسؤول، وإدارة واعية للمرحلة… وهي التحديات الحقيقية التي ستحدد شكل الجنوب القادم.



















