شهدت ساحة الاعتصام السلمي في محافظة أبين حدثًا سياسيًا لافتًا وغير مسبوق، تمثّل في التحام السلطة المحلية بقيادة اللواء الركن أبو بكر حسين، ومعه وكلاء المحافظة وقيادات المكتب التنفيذي لفروع الوزارات، بقيادات المجلس الانتقالي الجنوبي وكافة المكونات السياسية. هذا الالتحام لم يكن مشهدًا عابرًا، بل محطة سياسية ذات ما بعدها، وانتصارًا وطنيًا لأبناء أبين، وخطوة متقدمة في مسار تعزيز اللحمة الوطنية الجنوبية.

وقبل كل شيء، يُحسب هذا النجاح كإنجاز نوعي للعميد سمير الحييد، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي بالمحافظة، بوصفه شخصية فاعلة ومؤثرة، امتلكت الرؤية وبادرت بالفعل في لحظة مفصلية. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن أبين كانت أول محافظة تصل فيها قيادة السلطة المحلية، بكامل ثقلها التنفيذي، إلى ساحة اعتصام سلمي في محافظة ظلّ الأعداء يراهنون عليها بوصفها خاصرة رخوة ومكمنًا لإفشال المشروع الجنوبي.

تاريخيًا، ومن يقرأ مسار الأحداث بوعي، يدرك أن انتصارات الجنوب وانكساراته غالبًا ما تبدأ من أبين. فحين تتوحد أبين، تتشكل الشرارة الأولى لوحدة جنوبية أوسع، ويبدأ فعل الصيرورة الوطنية الجامعة. وهذا ليس وليد اللحظة، بل حقيقة راسخة عبر أزمان بعيدة.

ففي مختلف الغزوات التي تعرّض لها الجنوب، لم يكتب لأي غزو النجاح إلا بعد خلخلة النسيج الاجتماعي، وتغذية الخلافات القبلية والاجتماعية تمهيدًا للسيطرة. هكذا نجح غزو الصفي أحمد بن الحسن القاسم، كما ترسّخ الاحتلالان التركي والبريطاني. غير أن الحقيقة التاريخية تؤكد أن ممارسات الغزاة سرعان ما كانت تفضي إلى التململ الشعبي، فتتكوّن الشروط الموضوعية والذاتية للمقاومة، وتبدأ - غالبًا - من أبين.

وعندما تتشكل وحدة الجبهة الداخلية، يجد الغزاة أنفسهم أمام جدار فولاذي لا يفضي إلا إلى الهزيمة والرحيل، بل والاجتثاث. وقد تجلّى ذلك بوضوح إبان الاحتلال التركي، حين نجح أبناء عدن ولحج وأبين في دحره. وتكرر المشهد ذاته مع الاحتلال القاسمي، عندما انطلقت شرارة المقاومة من لقاء سيلة كلد، الذي جمع رموز السلطنات: الرصاص، والفضلي، والعفيفي، ومنصر العولقي. ومن أبين تحديدًا بدأ حصار قلعة الطرية، لتكون تلك البداية الفعلية لتقهقر القاسميين الزيديين وهزيمتهم.

ويختزل أحد الزوامل التاريخية تلك اللحظة الفارقة، بما تحمله من دلالات عسكرية واستراتيجية:

يقول بوسيف عندي سيف بوفلقتين

وتقفّلي يا طريق المعزبة والطرية

فطريقا المعزبة والطرية كانا شريانَي الإمداد للمحتلين، وبقطعهما اختلّ ميزان القوة. وهي حقيقة لم تُحسن القيادات السياسية الجنوبية تقديرها عام 1990م، حين تمركزت القوات الشمالية في الجنوب، بتموضع لواء الكبسي في طريق المعزبة–الراحة بمحافظة لحج، ولواء العمالقة في طريق الطرية، في تكرار حرفي لخطة الصفي القاسمي في القرن التاسع الهجري.

ولهذا، لم تكن حرب صيف 1994م سوى نسخة شبه مطابقة لتلك الخطة القديمة: السيطرة على خطوط الإمداد، وشراء الذمم، واستثمار الخلافات الجنوبية. وحتى فتوى الديلمي التي أُطلقت من مشارف قعطبة خلال غزو 1994م، جاءت مطابقة في النص والمضمون لفتوى أحمد بن الحسن الصفي في غزوته منتصف القرن التاسع الهجري.

من هنا يمكن فهم حجم الانزعاج الذي كان يبديه نظام علي عبد الله صالح من أي تلاحم أبيني. وهو ما يفسر إقدامه على إرسال فرقة اغتيالات خاصة من صنعاء، أثناء فعالية 23 يوليو للحراك الجنوبي السلمي في زنجبار عام 2009م، بقيادة طارق الفضلي، لارتكاب مجزرة مروّعة راح ضحيتها أكثر من 33 شهيدًا، وعشرات الجرحى، في محاولة يائسة لوأد أي مظهر من مظاهر وحدة أبناء أبين.

لقد أدركت تلك القوى، بحكم التجربة التاريخية، أن وحدة أبين ليست حدثًا محليًا محدود الأثر، بل نذير تحوّل استراتيجي يشير إلى بداية النهاية لأي مشروع يستهدف الجنوب وهويته. واليوم، تعود أبين لتؤكد موقعها التاريخي: عقدة الغزاة، ومفتاح الانتصار الجنوبي.