هذه المرة وجدت نفسي كاختصاصي مضطرا للتعليق عن الانتقادات الموجهه للبنك المركزي وهو المؤسسة السيادية التي لازالت تقوم بدورها الريادي وبشكل مستقل حتى اليوم.
داب زميلنا الدكتور محمد القحطاني الاستاذ في جامعة تعز أن يوجه انتقادات مستمرة ولاذعة للبنك المركزي عدن في الامس واليوم وربما غدا وهذا هوالمهم والأهم بالنسبة له كما اعتقد . ومع ذلك من حق الزميل وغيره أن يمارس النقد بقصد التصحيح لكن عليه أن يتحلى بالموضوعية والانصاف، لانه في جميع كتاباتة التي ينتقد فيها المركزي دائما ما يغفل السياق النقدي والاقتصادي شديد التعقيد والصعوبة الذي يعمل فيه البنك المركزي، كما يخلط بين الأدوات النقدية قصيرة الأجل وبين الأولويات لإدارة الاستقرار النقدي.
لكن، مسألة الفئات النقدية الصغيرة والدعوة إلى التوسع في توفير “النقود المساعدة” (الفئات الصغيرة والمعدنية) بمعزل عن السياق النقدي العام والبيئة الاقتصادية الحاكمة ، تتجاهل حقيقة أن الاقتصاد اليمني ما يزال يعاني من اختلالات هيكلية عميقة، وأن أي تدخل نقدي مهما بدا فنياً أو إجرائياً يجب أن يُقاس بأثره على التضخم واستقرار سعر الصرف.
وعلى زميلنا أن يفهم أن المشكلة النقدية في اليمن ليست تقنية مرتبطة بالفئات النقدية، بل هي مشكلة ثقة، وانقسام مؤسسي، وتآكل موارد النقد الأجنبي. التركيز على الفئات الصغيرة يوحي بأن الأزمة قابلة للحل بإجراءات فنية وتشغيلية، بينما الواقع أن أي توسع غير محسوب في الإصدارات حتى لو كانت بفئات صغيرة قد يبعث إشارات سلبية للسوق.
كما أن تجاهل التطورات الإيجابية الأخيرة التي تكاملت في تحقيقها السياسة النقدية والسياسة المالية يعبر عن شطط واجحاف.
وهذه خطوات مؤسسية مهمة لا تقل أهمية عن التدخلات المباشرة في سوق النقد.
القول بأن البنك المركزي غائب وانه “مقيد بإملاءات خارجية” يفتقر للدقة. فالتقيد بتوصيات صندوق النقدالدولي ؛ والعمل على تطبيق الإصلاحات المطلوبة من قبل المانحين هي تعبير عن حاجة وطنية اولا وخاصة في هذه المرحلة، و يعكس ثانيا غياب بدائل محلية قابلة للاستدامة في ظل فجوة الموارد المحلية والخارجية ، وليس ضعفاً في الإرادة أو الكفاءة والقدرة. فالسياسة النقدية في اقتصاد منقسم ومفتوح وعالي الدولرة لا تُدار بالأدوات التقليدية وحدها ولابالمزيد من انزال للنقود المساعدة ولكن بتضافر الجهود المحلية والدولية على حدا سواء.
على زميلنا أن يفهم إن تقييم أداء البنك المركزي يجب أن ينطلق من ما هو ممكن واقعياً لا مما هو مرغوب نظرياً. كما أن اختزال مهام البنك في توفير فئات نقدية صغيرة يُعد تبسيطاً مخلّاً لأزمة نقدية مركبة، تتطلب إصلاحات مؤسسية شاملة واستعادة الإيرادات السيادية وهي عنصر هام ومحددا جوهريا لاية إصلاحات مستقبلية ، قبل أي حديث عن تحسين أدوات التبادل اليومي وحتى هذه الأخيرة لايعاني المواطن في الواقع مشكلة فيها إلا مايراه الكاتب نظريا.


















