على مدى ثلاثة عقود ونصف وتحديدًا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة شهد العالم تحولات سياسية كبيرة تمثلت في حركات شعبية اجتاحت دولًا مختلفة. بدأت هذه التحولات من شرق أوروبا في تسعينيات القرن الماضي فيما عُرف بـ"الثورات البرتقالية" ثم لحقتها موجة"ثورات الربيع العربي" التي اجتاحت عددًا من الدول العربية. هذه الموجات الشعبية شكلت نهاية لعصر الانقلابات العسكرية والحزبية التي كانت سائدة في النصف الثاني من القرن العشرين.

مع هذه التحولات برزت ظاهرة جديدة تمثلت في انطلاق الحراك الشعبي الإعلامي وانتهاء عصر احتكار المعلومة. هيمنت وسائل التواصل الاجتماعي على القطاعات الأكثر حيوية في المجتمع لتحل محل الأحزاب السياسية التقليدية وتُزيح وسائل الإعلام الرسمية المقروءة والمسموعة والمرئية من مكانها الذي احتلته لعقود طويلة.

لم يكن الحظ حليفًا للأحزاب التقليدية اليسارية والقومية ولا لجماعة الإخوان المسلمين. فقد أصبحت هذه الكيانات جزءًا من الماضي وانحصرت في مكاتبها متخبطة فكريًا فاقدة لشعبيتها كنتيجة طبيعية للتغيرات السياسية العميقة التي شهدها العالم. وبينما شهدت هذه الأحزاب حالة من التراجع والانكفاء برزت جماعة الإخوان المسلمين كحالة استثنائية.

عملت جماعة الإخوان المسلمين سرًا لأكثر من أربعة عقود تعد العدة للانقضاض على السلطة وتحلم بإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء لإقامة"دولة الخلافة العابرة للحدود". ارتدت الجماعة عباءة الدين وروجت للوعود الزائفة مثلما فعل أحد كبار منظريها في اليمن الشيخ عبدالمجيد الزنداني الذي وعد بالقضاء على الفقر وبناء مجتمع الرفاهية قبل عام وإقامة الخلافة بحلول 2020.

لكن بمجرد وصولها إلى السلطة عبر استغلال المشاعر الدينية وحالة الإحباط الجماهيري الناتج عن تراجع التجارب القومية واليسارية وجدت الجماعة نفسها عاجزة عن تلبية مطالب الشعب. بدت الجماعة وكأنها تعيش في الماضي معتمدة على التكتيكات التنظيمية التقليدية التي عفا عليها الزمن.

في مصرو تونس و السودان واليمن سقطت جماعة الإخوان سقوطًا مدويًا بعد فترة قصيرة من وصولها إلى السلطة. انكشفت حقيقتها سريعًا فلجأت إلى أساليب غير مشروعة للحفاظ على سلطتها بما في ذلك ارتكاب الجرائم والمذابح. وأزيح الستار عن علاقتها الوثيقة في تفريخ وتمويل الجماعات الإرهابية كالقاعدة وداعش. هذا السلوك أدى إلى تصنيفها كجماعة إرهابية من قبل العديد من الدول مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية وغيرها وصولًا إلى الولايات المتحدة التي صنفتها كجماعة إرهابية تفرض عليها عقوبات صارمة.

في اليمن كانت تجربة جماعة الإخوان المسلمين مختلفة. فقد ظلت شريكة في السلطة لعقود طويلة لكنها لم تعلن عن وجودها بشكل واضح إلا بعد إعلان الوحدة اليمنية. منذ ذلك الحين لعبت الجماعة دورًا تخريبيًا أدى إلى تدمير الوحدة واجتياح الجنوب تاركة وراءها دمارًا هائلًا.

بعد حرب 2015 استغلت الجماعة إمكانياتها المالية وارتباطها بالتنظيم الدولي للإخوان إضافة إلى خبرات مقاتليها الذين شاركوا في صراعات عدة كأفغانستان وسوريا وليبيا لتأسيس دويلة لها في محافظة مأرب ومفارز ودشم في تعز بينما كانت تحتفظ بمليشياتها وعصابات القاعدة وداعش في معسكرات تؤويها في وادي وصحراء حضرموت. لكن القوات المسلحة الجنوبية تمكنت أخيرًا من اجتثاثها تمامًا في الأسبوع الأول من ديسمبر 2025.

لم يكن تحرك المجلس الانتقالي وجيش الجنوب ضد هذه الجماعة المتآمرة إجراءً عشوائيًا بل كان ضرورة وطنية لوضع حد لعبثها. فقد عرقلت الجماعة مسار العملية السياسية منذ 2015 وأفشلت الاتفاقات التي رعاها التحالف العربي. كما تورطت في دعم الحوثيين وتهريب المخدرات والسلاح واغتيال شخصيات مدنية وعسكرية ورجال دين معتدلين في الجنوب.

في ظل هذه الحقائق تبرز أسئلة مهمة:

• إلى أي مدى يمثل وجود جماعة الإخوان في السلطة"شرعية" حقيقية؟

• هل يمكن اعتبار مشاركتهم في المجلس الرئاسي وحكومة الشراكة تعبيرًا عن إرادة الشعب؟

• ما هي شرعية الهيئات التي تأسست بوجودهم؟

الإجابة واضحة: من يفتقد الحاضنة الشعبية لا يمكن أن يمثل الشعب ووجوده في السلطة يصبح عاملًا معرقلًا لا أكثر.

شعب الجنوب قال كلمته بوضوح. في ساحات الجنوب وبحضور جماهيري منقطع النظير جدد الشعب تفويضه للمجلس الانتقالي والرئيس عيدروس قاسم الزبيدي لإدارة شؤون الجنوب وإعلان قيام دولة الجنوب العربي الحرة والمستقلة.

فالشرعية الحقيقية هي شرعية الشعب ولا شرعية لمن يعمل ضده.