ها هو عام 2025 يُسدل ستاره الأخير. عامٌ آخر مضى، انقضى بكل ما حمله من وجع وتعب، من لحظات ضوء خاطفة وسط عتمة متراكمة. لكنه أيضًا، كما كل عام، كان معلمًا صامتًا لا يُدرك كثيرون دروسه إلا بعد فوات الأوان.

في اليمن، حيث تمشي الحياة بخطى مثقلة وسط رماد الصراعات وتحديات البقاء، لا تمر السنوات كما تمر على بقية العالم. هنا، لكل يوم وزنه، لكل لحظة معناها، ولكل نَفَس ثمنه. وفي نهاية هذا العام تحديدًا، نجد أنفسنا أمام سؤال جوهري: ماذا تعلَّمنا؟

ليس الحديث اليوم عن سردٍ للأحداث، ولا عن تحليل سياسي. بل دعوة صادقة للتأمل، لا فيما جرى، بل فيما غيَّره فينا ما جرى. لأن أعظم الدروس ليست تلك التي نحفظها، بل التي تُعيد تشكيلنا من الداخل.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة – وهذا العام تحديدًا – أن الإنسان اليمني، رغم ما يمر به، لا يزال يملك شيئًا فريدًا: القدرة على النهوض، ولو ببطء. على زرع الأمل في أرضٍ أنهكتها الخيبات، على مدّ يده رغم الجراح، على الإيمان رغم كل ما يُنكر الإيمان.

لكن، لعلّ أهم ما نحتاج أن نحمله معنا من هذا العام، هو الإدراك العميق بأن التغيير لا يأتي من الخارج. لا من قرار سياسي، ولا من دعم دولي، ولا من وعود تُلقى في الهواء. التغيير يبدأ من الإنسان. منك ومني. من وعينا، من نوايانا، من كيفية تعاملنا مع بعضنا البعض، من صدقنا في أن نكون عاملين لا متفرجين.

في عالم بات يُمجّد الفردية ويُعلّي من شأن المصلحة الخاصة، يبدو أن أعظم درس يقدّمه لنا الألم هو أن لا خلاص فردي. إما أن ننجو جميعًا، أو نظل ندور في حلقة مفرغة من التكرار والتدهور.

وهنا تبرز قيمة الترابط المجتمعي، لا بوصفها شعارًا سياسيًا أو دعوة مثالية، بل كضرورة وجودية. لا يمكن أن نبني مجتمعًا قويًا ما لم ندرك أن مصيرنا مشترك، وأن اختلافاتنا ليست لعنة بل مصدر غنى. أن تنوعنا ليس تهديدًا، بل فرصة للتكامل. هذا المفهوم – وإن كان بسيطًا في ظاهره – هو مفتاحٌ لأبواب مغلقة كثيرة في وجدان هذا الوطن.

وإذا كنا قد شهدنا في هذا العام جراحًا جديدة، فإننا في المقابل، شهدنا أيضًا نماذج من نور: شباب يؤسسون مبادرات مجتمعية رغم انعدام الموارد، نساء يُدرن مشاريع صغيرة وسط أحياء مدمَّرة، ذوي الهمم وهم يشاركون في بناء مستقبل أفضل، أطفال يذهبون إلى مدارس متهالكة حاملين أحلامًا أكبر من جدران الصفوف. هذه الصور، التي قد تبدو هامشية في خضم العناوين الكبيرة، هي الحقيقة الأكثر صدقًا: أن جذوة الحياة لا تنطفئ ما دام في القلب إيمان، وفي اليد عمل.

تُعلّمنا بعض المبادئ السامية – وإن لم نسمّها – أن خدمة الآخرين ليست تفضُّلًا بل واجبًا. أن العمل في سبيل خير الناس هو أثمن أشكال التعبير عن إنسانيتنا. وأن ارتقاء المجتمعات لا يتم إلا حين يتحول كل فرد إلى لبنة واعية في بناء الخير العام. هذا ما نحتاجه: أن نؤمن أن كل عمل – مهما بدا صغيرًا – له أثر، وأن العطاء، لا القوة، هو الذي يصنع التاريخ.

في خضم هذا كله، نحتاج أيضًا أن نراجع أنفسنا. ما الذي نغذّي به عقولنا وأرواحنا؟ ما الذي نزرعه في أطفالنا؟ هل نغرس فيهم الخوف والانقسام، أم الشجاعة والمحبة؟ هل نصنع أجيالًا تكرر أخطاءنا، أم نعدّها لتكون أفضل منا؟

ومع كل هذه الأسئلة، تبقى الحقيقة الأعمق: أن كل عام يمضي، هو دعوة مفتوحة لنبدأ من جديد. ليس لأن الماضي يُمحى، بل لأن المستقبل يُبنى. وما يُبنى يمكن أن يكون أجمل، إذا شئنا، وإذا عملنا، وإذا صدقنا.

فليكن عام 2026 موعدًا لا لنهاية الحكاية، بل لبدايتها الحقيقية. بداية نتخلّى فيها عن العجز، عن اليأس، عن خطاب الكراهية والانقسام. بداية نُعيد فيها تعريف البطولة، لا كقوة تُفرض، بل كرحمة تُمارس. بداية نؤمن فيها أن هذا الوطن لا يُنقذ بكلمات تُقال في المناسبات، بل بأفعال تُمارس في كل يوم.

وداعًا 2025، شكرًا لما علمتنا إياه، وإن كان قاسيًا. ومرحبًا بكل فجر جديد، يحمل في طياته وعدًا، بأن الخير لا يزال ممكنًا، ما دام فينا قلب ينبض بالحب، وعقل يؤمن بالعدل، وروح لا تتعب من الأمل.