تمر المحافظات الجنوبية بمرحلة مفصلية وحساسة من تاريخها، مرحلة تتطلب أعلى درجات الحكمة وتغليب المصلحة العامة على كل الاعتبارات الضيقة، وفي مقدمة هذه المتطلبات تبرز الحاجة الملحة إلى إعلان صلح قبلي جنوبي شامل برعاية وإشراف المجلس الانتقالي الجنوبي، يشمل مختلف قبائل ومكونات المحافظات الجنوبية، ويعمل به لمدة لا تقل عن سنتين أو أكثر بحسب ما تقتضيه ظروف المرحلة.

إن هذا الصلح ليس خيارًا تكميليًا أو إجراءً بروتوكوليًا، بل يمثل القاعدة الصلبة التي لا يمكن دونها الشروع الجاد في بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ الأمن والاستقرار، وتهيئة المناخ المناسب لعمل القيادة السياسية والأمنية والعسكرية بعيدًا عن أي تشويش أو صراعات داخلية.

فالمرحلة الحالية لا تحتمل أي خلل في النسيج الاجتماعي، ولا تسمح بفتح جبهات نزاع قبلي داخلي أو ثارات قبلية أو توترات مناطقية، لأن أي إخلال بهذا الصلح سيقوض جهود البناء، ويهدر الطاقات، ويعيد الجنوب إلى دوامة الفوضى التي عانى منها طويلًا. ومن هنا، فإن الالتزام بهذا الصلح يجب أن يكون التزاما ملزما لا يقبل التهاون، وأن يخضع كل من يخلّ به للمساءلة القانونية أمام الجهات القضائية المختصة، دون استثناء أو مجاملة.

كما أن من الضروري أن يترافق هذا الصلح مع وقف كامل لأي حروب قبلية أو ثارات أو اشتباكات محلية، ومنع أي تقطعات أو اعتداءات على الطرق الرئيسية، أو عرقلة لعمل الجهات الحكومية تحت أي ظرف كان، فهذه الممارسات لا تضر بالأفراد فقط، بل تمس بحياة الناس وأمن الوطن واستقراره، وتنعكس سلبًا على حياة المواطنين ومعاشهم اليومي.

إن تأمين الطرق الرئيسية وضمان حرية التنقل بين المحافظات يمثل مسؤولية وطنية، ويعد عاملًا أساسيًا لتمكين الأجهزة الأمنية والعسكرية من أداء مهامها في ضبط الأمن، وحماية المواطنين، وبسط هيبة الدولة، وتعزيز الشعور بالأمان لدى أبناء الجنوب كافة.

وبهذا فإن إعلان صلح قبلي جنوبي شامل في هذا التوقيت، والالتزام الصارم ببنوده، سيشكّل رسالة قوة ووحدة، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الاستقرار، وبناء المؤسسات، وحماية المكتسبات الوطنية، وهو الطريق الأقصر نحو جنوب آمن، متماسك، وقادر على مواجهة التحديات بثقة ومسؤولية.