حين وطئت قدماي تونس للمرة الأولى، لم أكن أبحث عن درس في التعايش. كنت فقط زائرًا، يحمل في حقيبته شغفًا بالاكتشاف، وفضولًا تجاه بلدٍ قرأت عنه كثيرًا وسمعت أنه مختلف: بلد صغير المساحة، كبير في أسئلته وهويته، يقف على عتبة البحر المتوسط ويطل على أفقٍ متعدد الطبقات.
لكن ما فاجأني، وأثر فيّ عميقًا، لم يكن البحر، ولا المدينة العتيقة، ولا الأسواق الممتلئة بالتوابل والنحاس والجلود، بل كان الهدوء الذي يتعايش فيه الاختلاف، كأن شيئًا في المجتمع قرر أن يتقبل نفسه بكل تناقضاته.
كنت أمشي في شارع الحبيب بورقيبة، وكان في الجوار مجموعة شباب يتمشون ويتحدثون عن الموسيقى والثقافة والهوية. بعضهم كان يرتدي لباسًا محافظًا، وبعضهم بملابس أكثر حداثة تميل إلى الطابع الغربي تمامًا. ولم يكن هناك أي توتر. كل واحد منهم يعبر عن نفسه بطريقته. تحدثوا عن الدين، عن الدولة، عن المرأة، واختلفوا، نعم، لكنهم لم يتصارعوا. لم يتهم أحدهم الآخر بالخيانة أو الكفر، كان الخلاف حيًّا، لكنه لم يكن قاتلًا.
زرت أيضًا بعض الأحياء في العاصمة، والتقيت أناسًا من خلفيات فكرية ودينية متباينة. ما لاحظته أن ثمة تفاهمًا ضمنيًا على أن البلد يتسع للجميع، حتى لو لم يتفقوا على كل شيء. كان هناك نوع من العقد الاجتماعي غير المكتوب، الذي يسمح بالعيش المشترك، رغم الجراح، رغم الخلافات.
لم يكن كل شيء مثاليًا، طبعًا. تونس تواجه صعوباتها، لكن ما ميّز التجربة التونسية بالنسبة لي هو أنها حافظت على مساحة مفتوحة للنقاش، للحوار، للتعدد.
وأنا أستعد لمغادرة تونس، فكرت كثيرًا في اليمن.
بلدي، الذي يشبه تونس في كثير من الجوانب: في غناه الثقافي، في تعدده، في تاريخ مدني طويل يمتد من صنعاء القديمة إلى حضرموت وعدن وتعز، بلد كان يمكن أن يكون نموذجًا للتعايش، لكنه دخل في دوامات من الانقسام والصراع.
تساءلت: هل يمكن لليمن أن يجد طريقه نحو التعايش؟ هل يمكن أن تصبح مساحات اللقاء الممكنة أكثر من ساحات المواجهة؟ وهل يمكن أن يتعلم اليمنيون أن الاختلاف لا يعني التهديد، بل يمكن أن يكون قوة إن أُحسن التعامل معه؟
في اليمن، دفعنا ثمنًا باهظًا نتيجة غياب ثقافة التعايش. تغلبت لغة السلاح على لغة الحوار. تحوّل التنوع من ثراء إلى تصنيف. صارت المذاهب والأديان والمناطق والهويات أدوات للفرز، بدل أن تكون جسورًا للفهم.
لكن رغم كل ذلك، ما زلت أؤمن أن التعايش ممكن. ليس لأنني متفائل بلا حدود، بل لأنني رأيته بأم عيني في تونس، ورأيت كيف أن مجتمعًا خرج من مصاعب طويلة ومن أزمات سياسية متكررة، استطاع أن يُبقي الباب مفتوحًا للنقاش، وأن يحافظ على مساحة للتعدد.
ما نحتاجه في اليمن ليس فقط اتفاقيات سياسية، بل مصالحة مجتمعية أعمق، تبدأ من المدارس، ومن الإعلام، ومن الفن، ومن القصص التي نرويها لأطفالنا عن بعضنا البعض. نحتاج إلى إعادة بناء الثقة، وهذا لا يحدث بين يوم وليلة، لكنه يبدأ من الإيمان أن الآخر ليس عدوًا بالضرورة، وأن لكل فرد في هذا البلد مكانًا وكرامة ودورًا.
في تونس، أدركت أن التعايش لا يعني غياب الخلاف، بل إدارة الخلاف بوعي واحترام. وهو درس يحتاجه اليمن، ليس فقط للخروج من الحرب، بل لبناء مستقبل يليق بتاريخه، ويستحقه أبناؤه.
ربما سيأتي اليوم الذي أجلس فيه في مقهى بصنعاء أو عدن أو تعز، وأستمع إلى نقاشٍ صريحٍ بين يمنيين مختلفين، دون أن يخشى أحدهم من الآخر، ودون أن تكون الكلمة مقدمة للرصاصة. ذلك اليوم ليس حلمًا، بل هدف علينا أن نعمل لأجله، منذ الآن.
لكن ما فاجأني، وأثر فيّ عميقًا، لم يكن البحر، ولا المدينة العتيقة، ولا الأسواق الممتلئة بالتوابل والنحاس والجلود، بل كان الهدوء الذي يتعايش فيه الاختلاف، كأن شيئًا في المجتمع قرر أن يتقبل نفسه بكل تناقضاته.
كنت أمشي في شارع الحبيب بورقيبة، وكان في الجوار مجموعة شباب يتمشون ويتحدثون عن الموسيقى والثقافة والهوية. بعضهم كان يرتدي لباسًا محافظًا، وبعضهم بملابس أكثر حداثة تميل إلى الطابع الغربي تمامًا. ولم يكن هناك أي توتر. كل واحد منهم يعبر عن نفسه بطريقته. تحدثوا عن الدين، عن الدولة، عن المرأة، واختلفوا، نعم، لكنهم لم يتصارعوا. لم يتهم أحدهم الآخر بالخيانة أو الكفر، كان الخلاف حيًّا، لكنه لم يكن قاتلًا.
زرت أيضًا بعض الأحياء في العاصمة، والتقيت أناسًا من خلفيات فكرية ودينية متباينة. ما لاحظته أن ثمة تفاهمًا ضمنيًا على أن البلد يتسع للجميع، حتى لو لم يتفقوا على كل شيء. كان هناك نوع من العقد الاجتماعي غير المكتوب، الذي يسمح بالعيش المشترك، رغم الجراح، رغم الخلافات.
لم يكن كل شيء مثاليًا، طبعًا. تونس تواجه صعوباتها، لكن ما ميّز التجربة التونسية بالنسبة لي هو أنها حافظت على مساحة مفتوحة للنقاش، للحوار، للتعدد.
وأنا أستعد لمغادرة تونس، فكرت كثيرًا في اليمن.
بلدي، الذي يشبه تونس في كثير من الجوانب: في غناه الثقافي، في تعدده، في تاريخ مدني طويل يمتد من صنعاء القديمة إلى حضرموت وعدن وتعز، بلد كان يمكن أن يكون نموذجًا للتعايش، لكنه دخل في دوامات من الانقسام والصراع.
تساءلت: هل يمكن لليمن أن يجد طريقه نحو التعايش؟ هل يمكن أن تصبح مساحات اللقاء الممكنة أكثر من ساحات المواجهة؟ وهل يمكن أن يتعلم اليمنيون أن الاختلاف لا يعني التهديد، بل يمكن أن يكون قوة إن أُحسن التعامل معه؟
في اليمن، دفعنا ثمنًا باهظًا نتيجة غياب ثقافة التعايش. تغلبت لغة السلاح على لغة الحوار. تحوّل التنوع من ثراء إلى تصنيف. صارت المذاهب والأديان والمناطق والهويات أدوات للفرز، بدل أن تكون جسورًا للفهم.
لكن رغم كل ذلك، ما زلت أؤمن أن التعايش ممكن. ليس لأنني متفائل بلا حدود، بل لأنني رأيته بأم عيني في تونس، ورأيت كيف أن مجتمعًا خرج من مصاعب طويلة ومن أزمات سياسية متكررة، استطاع أن يُبقي الباب مفتوحًا للنقاش، وأن يحافظ على مساحة للتعدد.
ما نحتاجه في اليمن ليس فقط اتفاقيات سياسية، بل مصالحة مجتمعية أعمق، تبدأ من المدارس، ومن الإعلام، ومن الفن، ومن القصص التي نرويها لأطفالنا عن بعضنا البعض. نحتاج إلى إعادة بناء الثقة، وهذا لا يحدث بين يوم وليلة، لكنه يبدأ من الإيمان أن الآخر ليس عدوًا بالضرورة، وأن لكل فرد في هذا البلد مكانًا وكرامة ودورًا.
في تونس، أدركت أن التعايش لا يعني غياب الخلاف، بل إدارة الخلاف بوعي واحترام. وهو درس يحتاجه اليمن، ليس فقط للخروج من الحرب، بل لبناء مستقبل يليق بتاريخه، ويستحقه أبناؤه.
ربما سيأتي اليوم الذي أجلس فيه في مقهى بصنعاء أو عدن أو تعز، وأستمع إلى نقاشٍ صريحٍ بين يمنيين مختلفين، دون أن يخشى أحدهم من الآخر، ودون أن تكون الكلمة مقدمة للرصاصة. ذلك اليوم ليس حلمًا، بل هدف علينا أن نعمل لأجله، منذ الآن.



















