أشعر بأن خدمات الوساطة الدولية ليست مطلوبة بكثرة اليوم، فلا أحد من أطراف النزاعات الروسية الأوكرانية أو السورية أو الفلسطينية الإسرائيلية يتوقع أو حتى يرغب في الحصول على مشورة خارجية بشأن كيفية تحقيق الاستقلال أو السلام والاستقرار، فهل يعود السبب إلى تغير المناخ الدولي؟

السؤال الذي يدور الآن في عقول الكثير من الناس هو: كيف أصبحت اليمن مشكلة العالم مع غزة وأوكرانيا؟ وكيف أضحت القضية الجنوبية حديث الإعلام الإقليمي والدولي بعد الخطوات الشجاعة والإيجابية الجنوبية الأخيرة التي قام بها المجلس الانتقالي؟

على هذه الأسئلة هناك عدة إجابات، جذورها تتمحور في الفترة من 1994 وحتى 2015 التي حولت الجنوب إلى واحدة من أكثر مناطق الأزمات إلحاحًا وتخلفًا وخطورة في العالم،"أجبرت " وسائل الإعلام الرئيسية العالمية، التي كانت تغطي سابقًا الشرعية اليمنية ومشاكل الحوثي في البحر الأحمر، والتنظيمات الإرهابية ونشاطها الحصري على أرض الجنوب وعلاقة هذه التنظيمات ببعض الأطراف في الشرعية ومع الحوثي والإخوان، إلى التحول نحو القضية الجنوبية التي أصبحت قضية عالمية لأسباب يمكن تفسيرها بالتالي:

هجمات الحوثيين النشطة على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب قابلها صمت الشرعية، بينما شرع الجنوبيون بقيادة المجلس الانتقالي وبإمكانيات وجهود منفردة في مواصلة مكافحة جرائم التهريب والقرصنة والاتجار بالبشر وحركة الإرهابيين من وإلى اليمن عبر البحر وتعزيز أمن البحر الأحمر والعرب من أجل أن تكون ممرات بحرية آمنة.

سيطرة تحالف رجالات الدولة العميقة للهضبة (مؤتمر، إصلاح، حوثيين) على وسائل الإعلام التي تُعد أداةً لجذب أو إبعاد الأفراد داخل المؤسسة السياسية ونقل وجهات نظرهم إلى العالم الخارجي مغلفة بأكاذيب مختلفة ضد القضية الجنوبية، بينما استطاع الجنوبيون بجهود ذاتية ومن رفع الوعي الوطني داخليًا بقضيتهم الجنوبية، وبشكل موازي عملوا بنشاط خارجيًا بتحويل الرأي العالمي نحو القضية الجنوبية رغم الحصار الإعلامي والدبلوماسي المفروض عليهم، واستطاعوا الآن تحويل المعركة في الإعلام من القوة الصلبة إلى القوة الناعمة.

استمرار جهود الدولة العميقة وبعض رجالات الشرعية وتحالفهم حتى مع التنظيمات الإرهابية من أجل بقائهم ووجودهم في مراكز القرار والثروات في الجنوب، بينما عمل الجنوبيون بجهود متواصلة وتضحيات كبيرة بقيادة المجلس الانتقالي على تشكيل قوات تحافظ على الأمن والسلام استطاعت تحرير الأرض الجنوبية من عدن حتى المهرة، وكافحت ولا تزال تكافح الإرهاب والجريمة المنظمة.

وعي الشباب الجنوبي ومعهم النخب والجيل الجديد حول العالم بجرائم نظام الهضبة المتخلف على مدى عقود في الجنوب، وتركيز وسائل الإعلام العربية والغربية في الوقت الحاضر على توعية الجيل الجديد من الشباب بعدالة القضية الجنوبية.

ينبغي على المجتمع الدولي أن يتخذ موقفًا حازمًا وأن "يفيق" رجالات الدولة العميقة للهضبة من غفلتهم، وأن يدفعهم إلى التغلب على حاجتهم للانتقام والحرب من أجل نهب الثروات الجنوبية والسيطرة على السلطة باسم أكذوبة الوحدة، خاصةً وأن طبيعة وعمل الدولة العميقة اليمنية يشكل خطرًا على الوعي والسلم والاستقرار في المنطقة والعالم، بل قد يكون قاتلًا لهم.