لعدة سنوات، سمع الجنوبيون كلامًا جميلًا يكفي لبناء دولة من الخطب العصماء.

حديث عن المظلومية، عن حرب 1994، عن الإقصاء، عن الحقوق، عن "القضية الجنوبية العادلة".

لكن ما اتضح لاحقًا أن كل ذلك لم يكن موقفًا سياسيًا ولا أخلاقيًا، بل نكايةً بنظام علي عبد الله صالح في إطار تنازعهم الثروة والسلطة معه لا أكثر.

بين عامي 2011–2014، كتب وتحدث علي البخيتي في أكثر من مقابلة ومقال عن “مظلومية الجنوب” بل وحقه في استعادة دولته وضرورة معالجة آثار حرب 94، بل وذهب في بعض طرحه إلى قبول خيارات سياسية مفتوحة للجنوبيين.

كان ذلك في ذروة الصراع مع صالح.

لكن بعد 2017، ومع تغيّر التموضع السياسي، تحوّل الخطاب نفسه إلى هجوم مباشر على المشروع الجنوبي، وتحذير من “تفكيك الدولة” و”المشاريع الصغيرة”، وكأن المشكلة لم تعد في القتل الظلم والإقصاء ، بل في الضحية التي قررت ألا تصمت أبدا

ياما رأينا بين 2012 و2015، من قدّم منهم نقدًا حادًا لحرب 94، وسخر من الخطاب الوحدوي القسري، ولام النظام السابق على سحق الجنوب.

لكن حين أصبح الجنوب فاعلًا سياسيًا وعسكريًا بعد 2019، تحول هؤلاء إلى الضد.

أما جباري، فقد كان خطابه ثابتًا في نقطة واحدة: الجنوب مظلوم… نعم، لكن الحل يجب أن يظل تحت سقف المركز المقدس، تعاطف بلا نتيجة، واعتراف بلا قرار، وهو أخطر أشكال التضامن.

توكل كرمان، خاصة خلال 2011–2013، استخدمت خطابًا حقوقيًا متقدمًا عن الجنوب، ونددت بالإقصاء والحرب وعبرت عن خطيئة ارتكبوها بحق شعب الجنوب واعتذرت علنًا عم لحق بالجنوب والجنوبيين.

لكن منذ أن أصبح مطلب استعادة الدولة الجنوبية مطلبًا شعبيًا منظمًا، تغيّر الخطاب إلى تخوين سياسي صريح، واتهام الجنوبيين بتهديد “الدولة” و”الثورة” والوحدة وأطل خطاب التكفير وفتاوي التكفير من جديد، وكأن حق فك الارتباط من وحدة فاشلة ليس من حقوق الإنسان والشعوب التي تتحدث عنها إلا إذا كانت لا تُزعج المركز.



الحوثيون… الجنوب كتكتيك

حتى جماعة الحوثي، بين 2013–2014، تحدثت عن “القضية الجنوبية” في إطار مؤتمر الحوار، وقدّمت نفسها كطرف يعترف بالمظلومية.

لكن ما إن تمددت عسكريًا، حتى أصبح الجنوب في خطابها داعشيا وعدوًا مباشرًا، وتحوّلت لغة “الحقوق” إلى لغة حرب وتحريض، في أوضح مثال على أن الخطاب السابق لم يكن قناعة، بل مرحلة تكتيكية لغرض في نفس يعقوب علي محسن قال في أقوى اعتراف مدون عن حكم الجنوب بالاستعمار ولكنه ظل يعلب بذيله في استهداف الجنوب.

أما حميد الأحمر، فدعمه لقضايا الجنوب كان دائمًا مرتبطًا بلحظة الصراع مع صالح، لا بمشروع تحرر حقيقي.

الجنوب عنده حاضر حين يكون ورقة ضغط، وغائب حين يتحول إلى كيان سياسي مستقل لا يخضع للاستثمار الحزبي أو الاقتصادي.

الحقيقة التي لا يريدون قولها هؤلاء جميعًا لم يغيّروا مواقفهم لأن الجنوب تغيّر، بل لأن صالح خرج من المعادلة.

الجنوب كان مفيدًا وهم في المعارضة، ومزعجًا حين أصبح صاحب قرار قالوا كلامًا جميلًا… نعم. لكنهم قالوه نكاية بصالح، لا مع الجنوب.

واليوم، حين انكشفت الأوراق، باتوا يهاجمون الجنوب ويحرضون عليه عيني عينك، بلا خجل ولا وجل وطلع كل منهم مع كلابه النباحة من قنوات ومواقع الزيف والدجل يمسحون بالجنوب الأرض وبلا حتى محاولة حفظ ماء الوجه.

خاتمة:

المشكلة لم تعد في خصوم الجنوب،

بل في أولئك الذين ادّعوا يومًا أنهم ضد وما تعرض له من سلب ونهب مقدراته وقتل أبنائه فالتاريخ قد يسامح العدو الواضح، لكنه لا ينسى أبدًا أولئك المخاتلون المتلونون بألوان الحربوات.