ما كشفت عنه القوات المسلحة الجنوبية مؤخرًا من اكتشاف مواقع لتكرير النفط بصورة غير قانونية في محافظة حضرموت، يشكّل صدمة أخلاقية ووطنية، ويعيد إلى الواجهة واحدة من أخطر قضايا الفساد المنظم الذي يستنزف ثروات الشعب لمصالح شخصية وحزبية ضيقة، تقف خلفها أسماء نافذة محسوبة على ما يُسمّى بالشرعية اليمنية.

إن استغلال آبار النفط خارج إطار الدولة والقانون، وتكرير الإنتاج وبيعه في السوق السوداء، ليس مجرد مخالفة إدارية أو تجاوز عابر، بل هو جريمة مكتملة الأركان.. قانونيًا، لأنها تعدّ اعتداءً صريحًا على المال العام، وشرعًا، لأنها أكلٌ لأموال الناس بالباطل، ووطنيًا لأنها طعنة في ظهر شعب يعاني الفقر والجوع وغياب أبسط مقومات الحياة.

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: من أعطى هؤلاء الحق؟ من خول لهم العبث بثروة مثل النفط؟ ومن منحهم شرعية سرقة النفط بطريقة خاصة بينما يعيش المواطن في حضرموت وغيرها تحت وطأة الغلاء، وانقطاع الخدمات، وانعدام الرواتب؟.

إنها مفارقة مخجلة أن يتصدر بعض هؤلاء الشاشات والمنابر، متحدثين عن الوطنية والدولة، في الوقت الذي تُدار فيه خلف الكواليس شبكات نهب منظمة، تُحوَّل فيها ثروة النفط إلى حسابات خاصة، بينما يموت الآخرون جوعا ومرضا.

الأكثر إيلامًا أن هذه الممارسات لا تفتقر فقط إلى الضمير الوطني، بل تكشف عن انحدار أخلاقي خطير لدى من يبرر لنفسه العيش في ترف على حساب شعب مسحوق. فهل غاب عن هؤلاء أن هناك حسابًا أمام الشعوب؟

وهل نسوا أن هناك حسابًا أعظم وأشد أمام الله، حيث ستكون صفحة الاتهام طويلة ومثقَلة بظلم العباد، والله لا يرضى بالظلم ولا بالفساد ولا بسرقة حقوق المساكين؟

إن ما قامت به القوات المسلحة الجنوبية من كشف هذه المواقع هو موقف وطني مسؤول، يعبّر عن إرادة حقيقية لحماية ثروات الجنوب، ووضع حدّ لسياسة النهب الممنهج التي مارستها قوى الفساد لسنوات طويلة تحت شعارات زائفة.

اليوم، لم يعد الصمت مقبولًا، ولم يعد التغاضي ممكنًا. فثروات حضرموت وغيرها ليست غنيمة لأحد، بل أمانة في أعناق الجميع. ومحاسبة المتورطين في سرقة النفط واجب قانوني وأخلاقي وديني، وخطوة أساسية على طريق العدالة واستعادة كرامة الوطن والإنسان.