في خضم التحوّلات العميقة التي يعيشها اليمن، تتنازعنا أصوات متباينة؛ بعضها يدعو إلى التلاقي والحوار، وبعضها لا يملّ من ترديد نغمة الشك، والتخوين، وإذكاء العداوة. وهنا، نقف أمام سؤال مصيري: هل ما زال بمقدورنا أن نلتقي على أرضية الإنسانية؟ أم أننا سلمنا أمرنا لخطاب الكراهية، ليفرّق بيننا باسم الانتماء؟
اليمن بلد عريق بتاريخه، غنيّ بتنوعه، ضارب بجذوره في أعماق الحضارة الإنسانية. لكن السنوات الأخيرة، بكل ما حملته من صراعات وانقسامات، كشفت عن وصولنا إلى مرحلة هشاشة البنيان الاجتماعي، وسهولة اختراقه بخطاب مشحون بالكراهية، يزرع الشك بدل الثقة، والعزلة بدل المشاركة.
إن خطاب الكراهية لا يُولَد صدفة، بل يُصنَع ويُروَّج له بحرفية، عبر منصات إعلامية ومنابر اجتماعية، وحتى من داخل المجالس اليومية البسيطة، يبدأ الأمر بكلمة، أو تصنيف، أو تلميح، ثم يتحوّل إلى نظرة، ثم سلوك، ثم سياسة. وكلما صمتنا عن أول مراحل هذا الانحدار، اقتربنا من قعر لا قرار له.
لكن ما الذي يمكن أن يعيدنا إلى جادة الإنسانية؟ وكيف نعيد الاعتبار لقيمنا المشتركة التي لا يختلف عليها بشر، مهما تباينت أديانهم أو مذاهبهم أو مناطقهم أو رؤاهم؟
قبل أن نكون أتباع مذاهب، أو أبناء قبائل، أو سكان مناطق حضرية أو ريفية، نحن بشر تجمعنا صفات إنسانية واحدة: الأمان، الكرامة، الحرية، والعيش الكريم، نولد جميعًا باحثين عن الحب والتقدير، وننضج ونحن نحلم بأن نترك أثرًا طيبًا في حياة الآخرين.
هذه القيم ليست ملكًا لأحد، ولا حكرًا على جماعة دون غيرها. إنها الميراث المشترك لكل الشعوب، وهي التي يجب أن نبني عليها مشروعنا اليمني القادم: مشروع يقوم على التعدد والتنوع.
ولن يتحقق ذلك إلا عندما نتحرر من الأفكار المسبقة، ونتجاوز الأحكام الجاهزة، وننظر إلى الآخر لا كخصم أو تهديد، بل كشريك في بناء وطن يتسع للجميع.
في اليمن، تنوّع لا يُضاهى: لهجات، أعراف، مدارس فكرية، مرجعيات ثقافية. هذا التنوع، حين يُفهم ويُحترم، يصبح مصدر غنى وإبداع. تخيّل يمنًا يحتضن هذا الاختلاف ويحوّله إلى طاقة بناء: كيف سيكون حاله؟
لكنّ الخوف من المختلف، وتضخيم الاختلاف، والتعامل معه كوصمة، هي ما يحوّل هذه الثروة إلى صراع. ولذلك، نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة ترى في التنوع فرصة للتكامل، لا مبرّرًا للإقصاء.
في هذا المشهد، تبرز مسؤولية النخبة والمثقفين والإعلاميين بشكل خاص. فالكلمة التي تُكتب في مقالة، أو تُقال في برنامج، أو تُغرد في حساب إعلامي أو مؤثر، يمكن أن تُشعل فتنة، أو تطفئ نارًا، أو تبني جسرًا من الفهم المتبادل.
للأسف، وجدنا كثيرًا من الأصوات التي يُفترض بها أن تقود الرأي العام نحو التعافي والتسامح، وقد اختارت طريق التخوين، والفرز، والتحريض. بدلًا من أن تفتح نوافذ الأمل، أغلقت الأبواب، وبدلًا من أن ترمم الجسور، فجّرت الشكوك.
لكن لا يزال الأمل موجودًا، ولا تزال هناك نُخَب واعية، تكتب وتتكلم وتتحرك من منطلق أخلاقي، وإنساني، ووطني. هؤلاء هم من يجب أن نسلط الضوء عليهم، وأن نستمع إليهم أكثر، وأن نتيح لهم المساحات للتأثير.
إن النخبة الحقيقية ليست من تملك مفردات معقّدة، بل من تختار كلماتها بحب، وتوجه خطابها نحو القيم المشتركة فيما بيننا. والنخب الحقيقية هي من ترى في الشعب كلّه جسدًا واحدًا، لا مجموعات متناثرة متصارعة.
أما الإعلام، فلا بد أن يتحوّل من منصة صراع إلى منبر توعية. لا نطلب منه أن يُزيّن الواقع، بل أن يعرضه بشفافية، مع التركيز على المشتركات، وتعزيز الحسّ الجمعي، وإبراز قصص النجاح والتسامح التي تحدث كل يوم، بعيدًا عن ضجيج السياسة.
ربما تبدو هذه الأفكار مثالية، وربما يُقال إن الواقع أعقد من ذلك. نعم، لا يمكننا تجاهل حجم الألم والخذلان الذي عاناه اليمنيون. لكن في ذات الوقت، لا يمكننا أن نستسلم للكراهية وكأنها قدر لا يُردّ.
نبدأ من أنفسنا، من طريقة حديثنا، من تعاملنا مع من يختلف عنا، من قدرتنا على الإنصات بدل المقاطعة. نبدأ عندما نرفض أن نشارك في نشر خطاب الكراهية، ونختار أن نكون صوتًا للحقيقة والرحمة.
نبدأ عندما نطالب نخبتنا بأن تكون على قدر المسؤولية، وعندما نكافئ الإعلام النزيه بدل إعلام الإثارة، ونرفع من قيمة الكلمة الصادقة في وجه الترويج للعداء.
الإنسانية تجمعنا، والكراهية تفرقنا. هذا ليس مجرد شعار، بل معادلة حقيقية في صلب بناء المستقبل. وكل يوم نختار فيه أن نحب بدل أن نكره، أن نتعاون بدل أن نتقاتل، نكون قد خطونا خطوة نحو يمنٍ أجمل.
فلنكتب معًا قصة جديدة لليمن، لا تكون فصولها حروبًا وخطابات تخوين، بل جسورًا من فهم، وأحلامًا مشتركة، ومشروعًا إنسانيًا يُحتذى.
اليمن بلد عريق بتاريخه، غنيّ بتنوعه، ضارب بجذوره في أعماق الحضارة الإنسانية. لكن السنوات الأخيرة، بكل ما حملته من صراعات وانقسامات، كشفت عن وصولنا إلى مرحلة هشاشة البنيان الاجتماعي، وسهولة اختراقه بخطاب مشحون بالكراهية، يزرع الشك بدل الثقة، والعزلة بدل المشاركة.
إن خطاب الكراهية لا يُولَد صدفة، بل يُصنَع ويُروَّج له بحرفية، عبر منصات إعلامية ومنابر اجتماعية، وحتى من داخل المجالس اليومية البسيطة، يبدأ الأمر بكلمة، أو تصنيف، أو تلميح، ثم يتحوّل إلى نظرة، ثم سلوك، ثم سياسة. وكلما صمتنا عن أول مراحل هذا الانحدار، اقتربنا من قعر لا قرار له.
لكن ما الذي يمكن أن يعيدنا إلى جادة الإنسانية؟ وكيف نعيد الاعتبار لقيمنا المشتركة التي لا يختلف عليها بشر، مهما تباينت أديانهم أو مذاهبهم أو مناطقهم أو رؤاهم؟
قبل أن نكون أتباع مذاهب، أو أبناء قبائل، أو سكان مناطق حضرية أو ريفية، نحن بشر تجمعنا صفات إنسانية واحدة: الأمان، الكرامة، الحرية، والعيش الكريم، نولد جميعًا باحثين عن الحب والتقدير، وننضج ونحن نحلم بأن نترك أثرًا طيبًا في حياة الآخرين.
هذه القيم ليست ملكًا لأحد، ولا حكرًا على جماعة دون غيرها. إنها الميراث المشترك لكل الشعوب، وهي التي يجب أن نبني عليها مشروعنا اليمني القادم: مشروع يقوم على التعدد والتنوع.
ولن يتحقق ذلك إلا عندما نتحرر من الأفكار المسبقة، ونتجاوز الأحكام الجاهزة، وننظر إلى الآخر لا كخصم أو تهديد، بل كشريك في بناء وطن يتسع للجميع.
في اليمن، تنوّع لا يُضاهى: لهجات، أعراف، مدارس فكرية، مرجعيات ثقافية. هذا التنوع، حين يُفهم ويُحترم، يصبح مصدر غنى وإبداع. تخيّل يمنًا يحتضن هذا الاختلاف ويحوّله إلى طاقة بناء: كيف سيكون حاله؟
لكنّ الخوف من المختلف، وتضخيم الاختلاف، والتعامل معه كوصمة، هي ما يحوّل هذه الثروة إلى صراع. ولذلك، نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة ترى في التنوع فرصة للتكامل، لا مبرّرًا للإقصاء.
في هذا المشهد، تبرز مسؤولية النخبة والمثقفين والإعلاميين بشكل خاص. فالكلمة التي تُكتب في مقالة، أو تُقال في برنامج، أو تُغرد في حساب إعلامي أو مؤثر، يمكن أن تُشعل فتنة، أو تطفئ نارًا، أو تبني جسرًا من الفهم المتبادل.
للأسف، وجدنا كثيرًا من الأصوات التي يُفترض بها أن تقود الرأي العام نحو التعافي والتسامح، وقد اختارت طريق التخوين، والفرز، والتحريض. بدلًا من أن تفتح نوافذ الأمل، أغلقت الأبواب، وبدلًا من أن ترمم الجسور، فجّرت الشكوك.
لكن لا يزال الأمل موجودًا، ولا تزال هناك نُخَب واعية، تكتب وتتكلم وتتحرك من منطلق أخلاقي، وإنساني، ووطني. هؤلاء هم من يجب أن نسلط الضوء عليهم، وأن نستمع إليهم أكثر، وأن نتيح لهم المساحات للتأثير.
إن النخبة الحقيقية ليست من تملك مفردات معقّدة، بل من تختار كلماتها بحب، وتوجه خطابها نحو القيم المشتركة فيما بيننا. والنخب الحقيقية هي من ترى في الشعب كلّه جسدًا واحدًا، لا مجموعات متناثرة متصارعة.
أما الإعلام، فلا بد أن يتحوّل من منصة صراع إلى منبر توعية. لا نطلب منه أن يُزيّن الواقع، بل أن يعرضه بشفافية، مع التركيز على المشتركات، وتعزيز الحسّ الجمعي، وإبراز قصص النجاح والتسامح التي تحدث كل يوم، بعيدًا عن ضجيج السياسة.
ربما تبدو هذه الأفكار مثالية، وربما يُقال إن الواقع أعقد من ذلك. نعم، لا يمكننا تجاهل حجم الألم والخذلان الذي عاناه اليمنيون. لكن في ذات الوقت، لا يمكننا أن نستسلم للكراهية وكأنها قدر لا يُردّ.
نبدأ من أنفسنا، من طريقة حديثنا، من تعاملنا مع من يختلف عنا، من قدرتنا على الإنصات بدل المقاطعة. نبدأ عندما نرفض أن نشارك في نشر خطاب الكراهية، ونختار أن نكون صوتًا للحقيقة والرحمة.
نبدأ عندما نطالب نخبتنا بأن تكون على قدر المسؤولية، وعندما نكافئ الإعلام النزيه بدل إعلام الإثارة، ونرفع من قيمة الكلمة الصادقة في وجه الترويج للعداء.
الإنسانية تجمعنا، والكراهية تفرقنا. هذا ليس مجرد شعار، بل معادلة حقيقية في صلب بناء المستقبل. وكل يوم نختار فيه أن نحب بدل أن نكره، أن نتعاون بدل أن نتقاتل، نكون قد خطونا خطوة نحو يمنٍ أجمل.
فلنكتب معًا قصة جديدة لليمن، لا تكون فصولها حروبًا وخطابات تخوين، بل جسورًا من فهم، وأحلامًا مشتركة، ومشروعًا إنسانيًا يُحتذى.



















