لم تعد السياسة في منطقتنا تدار بمنطق الشعارات أو استدعاء الحقوق المؤجلة بقدر ما تدار اليوم بمنطق الأذونات الإقليمية وحدود الحركة المسموح بها ضمن أولويات كبرى عنوانها استقرار المنطقة و ضمان الأمن العربي بوصفه المظلة الحاكمة لكل المسارات السياسية المفتوحة أو المؤجلة .. المرحلة الراهنة لا تمنح شرعية الفعل السياسي انطلاقا من عدالة القضية أو حجم التضحيات بقدر ما تربط هذه الشرعية بمدى انسجام الفاعلين مع معادلة الاستقرار و منع الفوضى وإغلاق ساحات الصراع المفتوح التي أرهقت الإقليم و استنزفت مراكزه الحيوية وهو ما يفسر إعادة ترتيب المشهد في أكثر من ساحة عربية و إعادة تعريف الأدوار وحدود الطموح السياسي لكل المكونات دون استثناء.. في هذا السياق بات واضحا أن الأمن العربي لم يعد مجرد شعار تضامني بل تحول إلى أداة ضبط سياسي يحدد من خلالها سقف الممكن و الممنوع ويعاد عبره هندسة النزاعات و إدارة الملفات الحساسة بما يضمن عدم خروجها عن السيطرة حتى وإن جاء ذلك على حساب مطالب تاريخية أو قضايا عادلة لم تجد طريقها للحسم .. و القضية الجنوبية واحدة من هذه القضايا التي أعيد إدراجها اليوم ضمن معادلات إقليمية أوسع لا تحتكم لمنطق الندية ولا لمنطق استعادة الحقوق كاملة بقدر ما تخضع لمعادلة الاستقرار و تفادي الانفجار و إدارة الواقع القائم بأدوات سياسية مرنة تتجنب الصدام و تؤجل الحسم وتفتح مسارات حوار متعددة لا تنتهي بالضرورة إلى ذات الأهداف التي حملها الحراك الجنوبي منذ انطلاقه.
الأذونات السياسية في هذه المرحلة تمنح لمن ينسجم مع منطق التهدئة ويقبل بإدارة التناقضات لا حسمها و يعيد تعريف خطابه و أدواته بما لا يهدد التوازنات القائمة أما من يتمسك بسقف مرتفع خارج هذا الإطار فيجد نفسه خارج المعادلة أو على هامشها مهما كانت عدالة قضيته أو عمق حضوره الشعبي.
إن قراءة هذه المرحلة بوعي لا تعني الاستسلام ولا التخلي عن الحقوق لكنها تفرض فهما دقيقا لطبيعة اللحظة السياسية وحدودها و متطلباتها وتستلزم شجاعة في مراجعة الأدوات و الخطاب و التموضع دون الوقوع في وهم أن الزمن ما زال يعمل بذات القواعد القديمة.



















