بعد الترحم عليه؛ وهو يغادر دنيانا الفانية هذا اليوم 17 يناير 2026 م، يبقى علي سالم البيض؛ سفرا من النضال والعمل والمواقف والقرارات والتباينات السياسية المستمرة، على مدى خمس وستين سنة؛ بخيرها وشرها؛ بالومضات المضيئة والانكسارات المؤلمة.

كل ذلك في مسيرة واحدة لرجل واحد؛ يموت اليوم - بعد كل ذلك الزخم - في منفاه؛ بعيدا عن وطنه، ولكنه الموت الذي يشبه البقاء طويلا: لما اكتظت به حياته من فصول زاخرة بعطاء المناضل: أصاب كثيرا وإن أخفق قليلا، ومن منا لا يتعثر في سيره، وقد يتعثر الجواد ثم يتابع شوطه. هنا سنتجاوز قول المحضار (حاشا علي ما عثر) تجاوزا جميلا، وإن كنا نحبذ قول الجواهري الكبير:

خفض جناحيك لا تهز بعاصفة

طوى لها النسر كشحيه فلم يطر

و.. فإن تحداك من عليائه ملك

يزهو عليك فقل اني من البشر

ونعود للبيض؛ اسم كان عصي النطق على مفرزات الإنجليز الباحثين عن الشاب الطويل wanted؛ قياسا بنخل حضرموت، وهو اسم على مسمى بين ثوار الجبهة القومية.

كان البيض عند إسقاط المناطق؛ سواء كان الإسقاط فعل محض ثوري للجبهة القومية؛ أو بدعم من الجيش الاتحادي، كان في الطليعة. وكان الاستقلال يوم 30 نوفمبر 1967م يضعه في أعلى سلم الجيش.

وعندما استغنى من موقعه عن الخبراء الإنجليز الذين بقوا بموجب وثيقة الاستقلال، كانت فرادة قراره تتمخض عن كاريزما غير منضبطة. لأن رئيس الجمهورية قحطان الشعبي سمع القرار من الإذاعة كما سمعه بقية المواطنين. وإن تبعات قراره كان كفيلا - وقد كان بالفعل - حرمان الجمهورية الوليدة من التزامات مالية من بريطانيا أقرتها وثيقة الاستقلال، وكانت الحاجات إليها ماسة.

هنا يجب القياس على شرعية الثورة التي لم يتخلص منها بعض الثوار بعد الاستقلال، والانقياد؛ بحكم تدني الثقافة المدنية؛ بما هي إدارة في كثير من جوانبها، للوصول إلى شرعية الدولة ومقتضياتها.

وربما كان البيض دونا عن كثيرين؛ يتحدى بكاريزما ملازمة له كظله، سطوة الدولة وجبروتها المخيف، ويخرج منها سالما.

لكن البيض لم تتلطخ يداه في حضرموت بسحل وقتل العلماء والمشايخ الكبار كما سجل التاريخ ذلك.

وعند زواج التحدي بالسيدة الفاضلة (ملكي) كان هو نفسه البيض الذي تقتضيه تكوينات السلوك السيكلوجي المتسق في وجدانيات الرجل، ليقترن بها رغم انف قرار الحزب الهزيل؛ المنافي للطبيعة البشرية ناهيك عن الدين بعدم الزواج بثانية.

بعد أن خفضت مراتبه الحزبية والإدارية خرج من اجتماع الحزب على ذات السجية والقوة والرأس المرفوعة. لكنه عرج مباشرة إلى منزل أحد رفاقه ممن قضوا في الطائرة المنكوبة عام 1973م ليبث حزنه وألمه من رفاقه على أهل ذلك البيت.

وللحق وللأمانة التاريخية فاق ما قامت به السيدة ملكي في حرب 1994 م ما قام به مسئولون وقادة في الدولة وربما كان بعضهم ممن رفعوا أيديهم تصويتا لمعاقبة البيض من زواجه منها.

يتذكر من كانوا في جبهة (دوفس) ما قامت به السيدة ملكي من دعم لوجستيي للجبهة.

ينطبق على البيض؛ المثخن بجراح اليوم المشئوم 13 يناير 1986م؛ القول المأثور (رب ضارة نافعة)، عندما أوصله الاجتماع المنعقد، في منزل المناضل أحمد عبدالله المجيدي بدار سعد؛ والذي ضم مجاميع من اللجنة المركزية والمكتب السياسي، أوصله إلى أعلى قمة في الحزب.

كان البلد الذي يقوده البيض بعد الأحداث المشؤومة أقل عافية عن ذي قبل. وكانت العوامل العالمية ومنها انحلال الاتحاد السوفييتي عام 1991م، حليف دولة الجنوب القوي، عاملا مسرعا للدخول في وحدة مع الشمال.

إذا اعتبرنا ذلك قفزا على المرحلة فإنه لن يكون تقاطعا مع التربية الوطنية للبيض وكثيرين غيره في مدرسة حركة القوميين العرب. ولن يكون أيضًا خروجًا عن مبادئ الحزب الذي وضع الوحدة اليمنية في أعلى مهامه.

والقول إن البيض انفرد بالقرار الوحدوي فذلك محض هراء لأن الكل قد هرع وراءه بما يشبه الإجماع.

لكننا قد نأخذ على خطوته تلك الاستعجال في تحقيقها دون التحوط من مكامن الخطر من السلطة في الشمال بتركيبتها القبلية والعسكرية التي لم يتجاوز تفكيرها الانتقام لحرب 1979 م وما لحق بصنعاء من هزيمة.

والشيء الآخر أن الحزب كان أمامه خيار الوحدة الجنوبية الجنوبية أولا؛ للدخول بقوة متماسكة مقابل سلطة الشمال المتربصة. لكن هذه؛ كانت تصطدم بتيار متطرف حاصر البيض في كل خطواته ولم يعطه فرصة للانفتاح على القوى الجنوبية التي نزحت مذ العام 1967م وما تبعه من انقسام حاد في الجيش والدولة جراء 13 يناير 1986م.

وكانت المملكة العربية السعودية حاضرة لدعم جمهورية الجنوب ولكن الجناح المتطرف كان حاجزا لإتمام ذلك.

وكانت النزعات المناطقية المهيمنة على الجنوب بعد 1986 م تتهيأ لانقلاب على البيض، الذي ضم تحت جناحيه الفريق الأكبر من الحزب والدولة والشعب.

ومضى صوب الوحدة اليمنية بثبات القائد الشجاع الذي يروم من وحدة 1990 م إضافة نوعية وطنيا وعربيا لدولة عصرية ديمقراطية، يتساوى المواطنون فيها، فسجل اسمه بأحرف من نور.

ولكن الطرف الآخر في صنعاء لم يكن بمستوى الطموح الوطني للبيض ورفاقه فشن حربا عدوانية على الوحدة والجنوب وأجهض المشروع الكبير بدناءة التفكير الضيق.. رحم الله الأستاذ المناضل الرئيس علي سالم البيض.