تُعدّ القضية الجنوبية واحدة من أوضح القضايا العادلة في المنطقة، ليس لأنها قائمة على شعارات أو عواطف، بل لأنها تستند إلى أدلة دامغة لا يمكن إنكارها أو القفز عليها. فمظلومية شعب الجنوب لم تكن يومًا ادعاءً سياسيًّا، بل واقعًا معاشًا تجسّد في الحروب المتكررة، ونهب الثروات، واستشراء الفساد الذي أزكم الأنوف، إضافة إلى الإقصاء والتهميش الممنهج.

لقد تعرّض الجنوب خلال العقود الثلاثة الماضية لسلسلة من السياسات التي استهدفت الإنسان والأرض معًا، بدءًا من تسريح عشرات الآلاف من الموظفين العسكريين والمدنيين، مرورًا بتدمير المؤسسات، وانتهاءً بحرمان المواطن من أبسط حقوقه في الخدمات العامة والرواتب، في مشهد يعكس حجم الظلم الواقع على شعب بأكمله.

ورغم هذا الواقع المؤلم، فإن المفارقة المؤلمة تكمن في أن الجميع، إقليميًّا ودوليًّا، يقرّ بعدالة القضية الجنوبية، ويعترف بمظلومية شعب الجنوب، إلا أن هذا الاعتراف ظلّ حبيس التصريحات، دون أن يُترجم إلى خطوات عملية تنصف هذا الشعب أو تضع حدًّا لمعاناته التي طالت أكثر مما ينبغي.

لقد مرت ثلاثة عقود، والجنوب يدفع ثمن صمته وصبره، فيما ظلت قضيته مؤجلة، وكأن الزمن كفيل بإطفاء جذوتها، غير أن الواقع أثبت أن الحقوق لا تموت، وأن القضايا العادلة لا تسقط بالتقادم، مهما طال الزمن أو تعاظمت التحديات.

واليوم، يتطلع أبناء الجنوب بعين الأمل إلى دورٍ محوري للمملكة العربية السعودية، بوصفها دولة محورية في المنطقة، وقادرة على إحداث فارق تاريخي، من خلال وضع حدٍّ لهذه المظلومية التي لا تشبهها أي مظلومية في العالم، والوقوف بجدية مع قضية شعبٍ يطالب بحقه المشروع في استعادة دولته، وبناء مستقبله على أرضه، بكرامة وسيادة.

إن استعادة دولة الجنوب لم تعد مطلبًا سياسيًّا فحسب، بل باتت ضرورة ملحّة لتحقيق الاستقرار، وإنهاء حالة الظلم، وفتح صفحة جديدة قائمة على العدل والإنصاف، وهو ما يأمله شعب الجنوب، ويعلّق عليه آماله، بعد مسيرة طويلة من المعاناة والصبر.