أمس الموافق 18 يناير، وُوري الثرى جسدُ رفيقي المناضل الكبير علي سالم البيض في أرض الإمارات العربية المتحدة، بمقبرة بني ياس، ليودع جميع محبيه في الإمارات وخارجها، أحد أبرز رجالات الوطن الذين ارتبطت أسماؤهم بمحطات مفصلية في مسيرة النضال الوطني، وبناء الدولة، وتحقيق الوحدة اليمنية.

وكنتُ أتمنى أن يُدفن في الريدة بحضرموت، مسقط رأسه، حسب وصيته، ولكن الأمور حالت دون ذلك.

ولا أريد التحدث عنها.

شكل الفقيد، عبر مسيرة نضالية وسياسية حافلة، حضورًا مؤثرًا في ساحات النضال، وترك أثرًا عميقًا لا يمكن تجاوزه في الذاكرة السياسية اليمنية.

تعرفتُ على المناضل علي سالم البيض في وقت مبكر إبّان مرحلة التحرير، في خضمّ الكفاح المسلح ضد الاستعمار، حيث جمعتنا الثورة أولًا ثم الدورة التي تلقّيناها معًا في مدرسة الصاعقة بإنشاص في القاهرة، مصنع الرجال والأبطال، بمشاركة كل من المناضلين:

(عبدالله المجعلي، وهاشم عمر إسماعيل، وعبدالله مطلق، وبخيت مليط، ومحمد أحمد البيشي، وعبدالكريم الذيباني، وعبدالرحمن راشد اليافعي)، إلى جانب عدد كبير من المصريين والفلسطينيين، وبعض مناضلي حركات التحرر الإفريقية، في وقت كانت فيه مصر حاضنة لحركات التحرر الوطني العربي والإفريقي، وكل مشاريع الاستقلال، ومركزًا لآمال الشعوب الساعية إلى الحرية.

ومع تصاعد الكفاح المسلح، كان الفقيد ضمن القيادات التي اضطلعت بمسؤوليات ميدانية وتنظيمية، إذ شارك في المكتب العسكري الذي شكلته قيادة الجبهة القومية للإشراف على جبهات القتال، وقد ضم هذا المكتب كلًا من: طه مقبل رئيسًا، وعضوية محمد أحمد البيشي، وعلي سالم البيض، وعلي ناصر محمد، وبخيت مليط، وعبد الكريم الذيباني، وعلي الهلالي، وآخرين.

وعقب قيام الدولة، تولّى علي سالم البيض منصب وزير الدفاع، ثم شغل عددًا من المناصب الرسمية والحزبية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، إلى أن أصبح الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني.

ويظل دور الرفيق علي البيض في تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 علامة فارقة في مسيرته السياسية.

وفي عهد الوحدة شغل منصب نائب رئيس الجمهورية اليمنية، وكان هو من أعلن قيام الوحدة عند دخوله صنعاء، في لحظة تاريخية جسدت حلم اليمنيين بوطن واحد، وتعانقت فيها عدن وصنعاء إلى الأبد، كما قال، في مشهد سيبقى خالدًا في الوجدان، في يوم من الدهر لم تصنع أشعتهُ شمس الضحى، بل صنعناه بأيدينا.

ورغم ما شهدته المراحل اللاحقة من تعقيدات واختلافات سياسية، ظل علي سالم البيض جزءًا من المشهد السياسي، حاضرًا في النقاش العام، ومحل جدل يعكس حجم الدور الذي أداه وتأثيره في مسار الأحداث.

وعلى الصعيد الشخصي، لم تنقطع علاقتي به، حيث التقينا في عدد من الدول، منها سلطنة عُمان، والأردن، ولبنان، والإمارات العربية المتحدة، وكانت لقاءاتنا الأخوية دائمًا مناسبة لتبادل الآراء حول الماضي والحاضر ومستقبل الوحدة اليمنية التي خضنا من أجلها حروباً على مدى 20 عامًا، حتى تحققت في 22 مايو 1990.

رحم الله الفقيد الكبير، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.