ليس عبثًا أن تعود عدن إلى الواجهة كلما اهتزّ ميزان العالم ولا مصادفة أن يُستحضر اسم جرينلاند اليوم في أحاديث القوى الكبرى فالجغرافيا حين تتقاطع مع المصالح تتحول من أرضٍ صامتة إلى نصٍّ سياسي مفتوح تُعاد قراءته كلما تغيّر زمن الهيمنة و أدواتها

في 19 يناير 1839م لم تُحتل عدن لأنها مدينة صغيرة على هامش التاريخ بل لأنها كانت في قلبها ميناء يتحكم بخطوط التجارة وبوابة للبحر الأحمر والمحيط الهندي ونقطة ارتكاز لحماية طريق الهند جوهرة التاج البريطاني آنذاك.. دخلت شركة الهند الشرقية عبر صيرة لا كجيش احتلال تقليدي بل كذراع تجاري–سياسي يفهم أن السيطرة لا تبدأ بالمدفع وحده بل بالعقد و الميناء و الخريطة.

اليوم وبعد ما يقارب قرنين يُطرح سؤال يبدو للوهلة الأولى بعيدًا ..هل يمكن تشبيه جرينلاند بعدن؟ أم أن عدن هي جرينلاند الأمس؟

الجغرافيا لا تشيخ… لكن أدوات السيطرة تتغير. جرينلاند ليست مستعمرة كلاسيكية وعدن لم تعد ميناءً إمبراطوريًا كما كانت لكن القاسم المشترك بينهما ليس في الشكل بل في الوظيفة الجيوسياسية .

جرينلاند الجزيرة المتجمدة لم تكن محل صراع لأنها جميلة أو مأهولة بل لأنها. تتحكم بمسارات جديدة للملاحة العالمية مع ذوبان الجليد. تختزن ثروات استراتيجية نادرة. تشكّل نقطة تماس بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، الصين).. عدن في زمنها كانت تقوم بالدور نفسه التحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم حماية خطوط التجارة والطاقة.

فرض النفوذ الإقليمي والدولي على جنوب الجزيرة العربية وشرق أفريقيا، الاختلاف الوحيد أن عدن دُفعت ثمن موقعها في زمن الاستعمار المباشر بينما تُدار جرينلاند اليوم بأدوات النفوذ الناعم والضغط السياسي والاقتصادي.

من الاحتلال الصريح إلى الوصاية المقنّعة. عدن عرفت الاحتلال باسمه الصريح ودفعت ثمنه مقاومةً وهويةً وصراعًا طويلًا مع فكرة (المدينة الدولية التي لا أهل لها).

أما جرينلاند فتُدار اليوم ضمن معادلة أكثر دهاءً. لا احتلال. بل إغراءات صفقات قواعد وحماية مشروطة. وهنا يكمن الدرس العدني المؤلم: أن أخطر مراحل السيطرة ليست حين يُرفع علم أجنبي بل حين يُقنعك الآخر أن بقاءك مرهون به وأن موقعك نعمة لا تُدار إلا من الخارج.

عدن اليوم.. هل خرجت من التاريخ أم ما زالت فيه؟ المفارقة القاسية أن عدن التي كانت مركز قرار عالمي باتت اليوم ساحة صراع بالوكالة تُدار أزماتها أكثر مما تُدار مصالحها.. ميناءها معطّل موقعها مُستثمر سياسيًا لا اقتصاديًا وأهلها بين خطاب السيادة وواقع التهميش.

وهنا يصبح تشبيه عدن بجرينلاند تحذيرًا لا مقارنة: جرينلاند تحاول حماية قرارها قبل أن تُبتلع و عدن تدفع ثمن ضياع قرارها بعد أن كانت مركزًا له.

من لا يدير موقعه، يُدار به، عدن ليست جرينلاند وجرينلاند ليست عدن. لكن التاريخ يقول إن الأرض التي لا تملك مشروعها السياسي، تتحول إلى مشروع لغيرها.. ما حدث لعدن عام 1839 لم يكن قدرًا بل نتيجة اختلال موازين القوة وغياب الإرادة الجامعة و ما يُناقش اليوم حول جرينلاند يثبت أن العالم لم يتغير كثيرًا؛ بل غيّر لغته فقط. السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: هل تشبه عدن جرينلاند؟

بل: هل تعلّمنا من عدن ما يكفي كي لا تتكرر القصة، بأسماء جديدة وأعلام مختلفة؟ عدن لا تحتاج إلى استعارة جديدة من الجغرافيا بل إلى استعادة وعيها بذاتها.

فالتاريخ لا يرحم المدن التي تكتفي بدور الشاهد.