الجغرافيا تحدد حالة الوئام و ربما الشقاق، اذا لم تقم السياسة بدورها الإيجابي.

حالة القارة الهندية مثالا للحالتين، قبل استقلال الهند وبعد استقلالها.

وكاتب (انتقام الجغرافيا) قد أعلى كثيرًا من كعب الجغرافيا لتصبح بوصلة القيام أو السقوط في حال أمم كثيرة في الأرض، مع عدم إغفال التفاصيل الكثيرة والكبيرة وحتى الصغيرة وكلها مغرية بتخفي الشيطان فيها.

وقد نستجيب لداعي المقارنة إسقاطا على الوطن العربي؛ فنجد أن إيجابية الجغرافيا ساعدتها عوامل كثيرة على انجاب دول عظيمة كالدولة الأموية والعباسية، بسطوع الرؤية التي أبهرت التاريخ. دون أن نغفل العوامل الأهم: اللغة والتاريخ المشترك والثقافة.

وكان الإسلام عاملا غير محكي عنه في أدبيات القومية العربية على اعتبار أن هناك عربا غير مسلمين، حقا؛ ولكن الانبثاق الأول والمضي لوحدة الشتات العربي بما هو قبلي محض كان في دولة المدينة مذ وطأها الرسول العظيم (صلى الله عليه وسلم) واضعًا أسسًا للمواطنة المتساوية؛ بعيدًا عن الوحي، بصحيفة (المدينة): بين الأنصار والمهاجرين وبين الفئة الأولى كفارًا ومنافقين، ويهود ومشركين لم يدخلوا الإسلام بعد.

وهي الصحيفة التي تومض في قلب الصحراء محاطة بالدين القويم كتجربة أولى لقيام المجتمع العربي الإسلامي ومن ثم الدولة قبل أن يولد فولتير بأربعة عشر قرنا.

في حالة اليمن تصالحت الجغرافيا مع الناس، بعيدًا عن السياسة، فنزح من نزح وانتقل من انتقل وتزاوج من تزاوج في وئام اجتماعي لا ينفصم عراه إلا بالقهر الذي تمارسه توليفات الحكم من شمر يهرعش إلى علي عبدالله صالح.

ذاك بنقش النصر السيء المفصح عن وحدة القهر بالسيف، وهذا بعدوان 1994م بالدبابات.

الجغرافيا في اليمن حمالة وجهين: شعبي لا غبار عليه تراعاه الغريزة الوئامية للمواطنين، وسلطوي ترعاه الغريزة العدوانية لأقيال الهضبة الشمالية حتى آخر قيل.

وكم كان محقا عمر الجاوي عندما قرن الوحدة بالديمقراطية. فمن كان بمستوى الجاوي يدرك طبائع الاستبداد في نفوس الحاكمين. بينما مضى علي سالم البيض بنقاوة قلب لم تشفع له ولا للوحدة؛ التي هي فعل مضاف كما أراد البيض. وعند أقيال الهضبة فعل ناقص مسخر لما دون الهضبة، مضافًا إلى توليفة ما هو قائم سلطويا شمالها.

ونحسب؛ هكذا بنقاوة نفس؛ إن الجغرافيا عامل جامع لعلاقتنا بالشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية.

المملكة؛ رغم حرب 1934م المبكرة مع الإمام يحيى، إلا أنها - بحكم الجغرافيا - وعوامل أخرى كانت عاملا لانتصار ابنه أحمد على الدستوريين عام 1948م.

وكذا يمكن القول على انقلاب سيف الإسلام عبدالله والثلايا عام 1955م في تعز.

وكانت عضدا - إلى حين - للملكية المنكسرة بثورة سبتمبر 1962م، ثم عادت لترعى النظام الجمهوري وفق اتفاقية الطائف منذ العام 1970م.

بينما في الجنوب لم يجر التأسيس على مارعته بريطانيا تحت مسمى اتحاد الجنوب العربي . وإلى حد ما كانت رابطة أبناء الجنوب تدعو إليه بمشيئة ثانية. وكان الصوت الشعبوي الصارخ للثورة؛ محاطة بمناخ ثوري في الوطن العربي، كفيل بالدخول الصعب في تقاطع مبكر مع الشقيقة الكبرى.

لكنها كانت ملاذا آمنًا لكل من تعارض مع القوميين من سلاطين وأمراء المحميات إلى قيادات كل المعارضين لخط القوميين الذين اقتربوا حتى الحضن من الحركيين في بيروت ومن ثم موسكو واستعدوا الرياض.

مما له دلالة تاريخية أن وفد الجبهة القومية إلى بكين أواخر الستينات الماضية وفي بداية الزهو بالماركسية اليسارية قد تلقى درسا لم يأخذ به اليساريون في عدن للأسف، عندما جابههم (شو إن لاي) الثاني بعد (ماو سي تونج) وهو الشيوعي المخضرم والذكي المفلق في الصين، بأن يذهبوا، بدولتهم الصغيرة؛ المحاطة بالجزيرة العربية التي بدأ النفط يتدفق تحت رمالها بغزارة، إلى محيطها العربي المجاور وأن يتركوا ما في رؤوسهم لأوقات أخرى.

كان الرفض حاضرا و كان السوفييت جاهزين للاستلام والتسليم ليس منهم وإنما من بريطانيا الداخلة في حرب خسران مع الأمريكان على مناطق نفوذها في الجزيرة والخليج العربي.

هذا اللقاء في الصين وعبقرية (شو ان لاي) تذكرني بالقول المأثور: لا يكون دين آخر مع الإسلام في الجزيرة العربية.

كما يذكرني بالرسائل الدروس التي كان يبعثها (نهرو) من السجن لابنته (إنديرا) الطالبة حينها في لندن، وفيها تاريخ مسهب عن الإسلام في الجزيرة العربية وانتشاره خارجها اقرأ (لمحات من تاريخ العالم).

وكانت السعودية برحابة صدرها ملاذا لزعامات الجنوب الذين دخلوا في وحدة مع الشمال دون رضاها؛ بعد أن تيقنت المملكة من نوايا قادمة وهي ترصد بوصلة علي عبدالله صالح المتجهة صوب صدام حسين في العراق. ويقال إن الأمير سعود الفيصل كان في عدن للغرض هذا عارضا مساعدة المملكة للجنوب.

وقد كشفت حرب احتلال الكويت بعد الوحدة المستعجلة بشهرين فقط النوايا الخفية والمخفية.

كان النزوح القسري من الجنوب عام 1994م من الكثرة بحيث لا يستطيع أحد سوى المملكة بتدبير أمر إقامته في بلدان النزوح.

انقصف عمود الجنوب الفقري وانتهت أسطورة جيشه الذي لا يقهر.

فمن منا لا يحفظ للمملكة هذا الجميل الذي تكرر مرة ثانية بحرب العام 2015 م. ولولا دعم المملكة وشقيقاتها الخليجيات ناهيك عن الدعم الدولي لكنا رهائن للمد الفارسي بواسطة اتباعه الحوثيين.

هناك من يريد أن يعطل هذه العلاقة التي لن نستفيد نحن الجنوبيين ولا حتى الشماليين من تعطيلها، وقد كانت لنا تجارب تاريخية قد ذكرنا بعضها.

وإن لم نعتبر اليوم؛ فإننا نلدغ بمحض إرادتنا من الجحر مرتين؛ بل في حالتنا هذه أكثر من مرتين!

إذا كانت الشقيقة الكبرى وبلسان كبار مسؤوليها تصرح بلسان عربي مبين أنها مع عدالة القضية الجنوبية. وخرج قادة الانتقالي وغير الانتقالي من أعلى المستويات ليثنوا على مواقف المملكة ورعايتها لمؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب. وأيدت كل دول العالم الكبرى وما دونها أريحية المملكة ورعايتها للمؤتمر. فماذا نريد حقا؟

وماذا يتبقى إذا؟ هل نعادي المملكة الشقيقة ونعود لمربع الوهم الذي مارسناه عشر سنوات؟ أم نعطي للعقل فرصته لوضع البدايات الحقيقة القائمة على عدالة قضيتنا بما هي قضية شعب لا منطقة ولا قبيلة ولا عشيرة ولا فرد.

البدايات الصحيحة النابعة من صميم عدالة القضية الجنوبية تؤدي إلى نتائج صحيحة. فالقضية هي قضية شعب بأجمعه لا تبنى بالشعارات ولا بالسلوك الفردي أو بالزعامة التي لا يأتيها الباطل من خلاف، وإنما تبنى بالحوار الوطني الواعي الذي يعطي كل منطقة وزنها القانوني القائم على العدالة لا على القوة بشتى صورها. لأن ذلك وإن أعطى جنوبا افتراضا، وهو لن يعطي إطلاقا، فإن عوامل موته ستولد عند ولادته كما لو أن الجنين مات في مهده يوم ولادته.