> كتب/ نائب رئيس التحرير:

  • حوار الرياض… تسوية سياسية تاريخية تعتمد على الجنوبيين
> أثار إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدعوة إلى حوار جنوبي–جنوبي في العاصمة السعودية الرياض، وتبنّي المملكة لهذه الدعوة، موجة واسعة من التساؤلات والشكوك في الشارع الجنوبي، لا سيما أن التوقيت جاء حسّاسًا ومتزامنًا مع إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي، الأمر الذي دفع كثيرين إلى قراءة الخطوة باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الجنوبي، أو – وفق قراءات أكثر تشاؤمًا – نصب «فخ سياسي» جديد للجنوبيين تحت مظلة الحوار.

فمنذ الأيام الأولى للإعلان، بدأت وفود جنوبية، رسمية وغير رسمية، بالتقاطر إلى الرياض، في مشهد يعكس حالة ترقّب وقلق بقدر ما يعكس رغبة في استكشاف النوايا السعودية الحقيقية، ومحاولة جسّ نبض صانع القرار الإقليمي حول مستقبل الجنوب وموقعه في أي تسوية سياسية شاملة قادمة.

وبحسب لقاءات «الأيام» مع عدد من أعضاء وفد المجلس الانتقالي الجنوبي، وبعض الوزراء والمسؤولين اليمنيين، إضافة إلى شخصيات جنوبية مستقلة وصلت إلى الرياض، فإن كثيرًا مما جرى تداوله على منصات التواصل الاجتماعي لا يمتّ للواقع بصلة. فلا لجنة فنية شُكّلت حتى الآن، ولا جدول زمني وُضع للحوار، ولا قائمة محددة بالأطراف المشاركة أو القضايا التي ستُطرح للنقاش. الأمر لا يزال، وفق هذه المصادر، في إطار المشاورات الأولية ومحاولة بلورة تصور عام، أكثر منه حوارًا رسميًّا مكتملًا الأركان.

كما نفت مصادر الوفود الجنوبية بشكل قاطع ما أُشيع عن تعرضهم لأي إساءات أو ضغوط، مؤكدة أن التعامل السعودي اتسم – حتى اللحظة – بالاحترام الكامل، وأن جميع من وصلوا أُبلغوا بوضوح أنهم «ضيوف المملكة»، مع عدم وجود أي قيود على حركتهم أو إقامتهم أو حتى قرار مغادرتهم متى شاءوا. هذه الرسائل، وإن بدت بروتوكولية، إلا أنها تحمل دلالات سياسية في سياق إقليمي شديد الحساسية.

التحول الأبرز، وربما الأكثر لفتًا للانتباه، تمثّل في التغطية الإعلامية السعودية غير المسبوقة للاحتجاجات الجنوبية في عدن ومحافظات أخرى. للمرة الأولى، تنقل وسائل الإعلام السعودية هذه الفعاليات دون توصيفها كأعمال خارجة عن القانون، بل وتذهب أبعد من ذلك بتسليط الضوء على مطالب المتظاهرين، بما في ذلك قضية تقرير المصير. وهو تحول نوعي في الخطاب الإعلامي السعودي تجاه القضية الجنوبية، قد يعكس – أو يمهّد – لتغير أعمق في مقاربة الرياض للملف برمته.

في موازاة ذلك، تعمل الوفود الجنوبية في الرياض، كلٌّ وفق خلفيته الجغرافية والسياسية، على بلورة مشاريع تتجه نحو «فدرلة الجنوب»، أي منح كل محافظة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها السياسية والمالية والإدارية والقضائية، في صيغة تقترب كثيرًا من الحكم الذاتي الكامل. هذه الطروحات، بحسب سياسيين جنوبيين، تهدف إلى كسر احتكار المركز للقرار، خصوصًا في ظل التجارب المريرة التي عاشها الجنوب مع المركزية المفرطة، سواء قبل الوحدة أو بعدها.

ويرى أصحاب هذا التوجه أن فدرلة الجنوب ليست هدفًا نهائيًّا بحد ذاتها، بل خطوة استباقية للاستعداد لمألات الحل السياسي الشامل بين الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي. فاستغلال الفترة الفاصلة بين اللحظة الراهنة وأي تسوية نهائية، في بناء مؤسسات محلية قوية وتنمية المحافظات الجنوبية، من شأنه أن يحصّن الجنوب من عودة المركزية أو فرض قيادات وعناصر من خارج نسيجه الاجتماعي والسياسي.

وفي حال نجح الجنوبيون في انتزاع صلاحيات واسعة لمحافظاتهم، فإن ذلك – وفق هذه القراءة – سيخفف من المخاطر المستقبلية المرتبطة بهيمنة المركز، ويحفظ مصالح المواطنين، ويمنحهم قدرة أكبر على الرقابة والمساءلة، ويعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع على أسس محلية أكثر توازنًا.

غير أن التحول الأعمق، كما تنقله مصادر «الأيام»، يتمثل في الموقف السعودي نفسه. فخلال لقاءات غير رسمية مع مسؤولين سعوديين، لمس أعضاء الوفود الجنوبية التزامًا متكررًا باحترام ما سيتوصل إليه الجنوبيون في أي حوار وطني قادم، سواء اختاروا شكل حكم فيدرالي، أو صيغة أخرى، أو حتى خيار الانفصال. رسالة قيل إنها تكررت بوضوح: «القرار للشعب، وليس للسعودية ولا لأي طرف آخر».

وفي هذا السياق، نقلت «الأيام» عن مسؤول سعودي قوله إن «المملكة تريد استقرارًا على حدودها الجنوبية، أيًّا كان شكل هذا الاستقرار، لأنه يصب في مصلحة أمن المنطقة بأسرها»، مؤكدًا وجود استعداد سعودي لدعم مسارات التنمية وإصلاح منظومة الحكم بما يضمن تحسين مستوى معيشة المواطنين في الجنوب.

في المقابل، يعمل أعضاء جميع الوفود الموجودين في الرياض على هذا المسار بتنسيق واسع مع المملكة، في حين يركّز مجلس القيادة الرئاسي على وضع اللمسات الأخيرة لتشكيل حكومة تكنوقراط، بعيدًا عن منطق المحاصصة الذي أثبت فشله في الحكومات السابقة.

أمام هذا المشهد المعقد، يجد الجنوبيون أنفسهم اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية، قد تعيد رسم شكل الدولة والعلاقة بين المركز والأطراف. فالحوار الجنوبي – إن كُتب له أن ينعقد برؤية واضحة ومشاريع ناضجة – قد يفتح الباب أمام انتزاع صلاحيات تاريخية من المركز لصالح المحافظات، وبضمانات إقليمية غير مسبوقة. أما الفشل، فسيعيد إنتاج الأزمات نفسها، بأدوات جديدة وعناوين مختلفة.

وبين الفرصة والمخاطرة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يشكل حوار الرياض بوابة لتسوية عادلة للقضية الجنوبية، أم مجرد محطة أخرى في مسار طويل من إدارة الأزمات؟ الإجابة، كما يبدو، ستكتبها قدرة الجنوبيين على توحيد رؤيتهم قبل أي شيء آخر.